مراسلات الأدباء عبارة عن حلبة يتصارع فيها الفكر والذوق واقتناص المعاني والشواهد الشعرية والأمثلة السائرة، فالأديب حين يكتب للأديب يعي جيدا أن كلماته لن تمر مرور الكرام، فيحاول انتقاء ألفاظه ويجعلها أوعية لمعانيه، فيتداخل في نصه النثر الفني والشعر الخليلي والجد والطرافة في توازن يحافظ على رصانة الأسلوب.
وقد وصلتني اليوم رسالتان أدبيتان جميلتان، ثريتان بالنثر الفني الراقي والشعر المطبوع الرائق، خفيفتان على عين القارئ، ثقيلتان في ميزان الأدب، وكيف لا والمرسل هو الإداري الأديب شيخنا محمد فال بن عبد اللطيف، والمرسل إليه هو الأديب اللوذعي رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين السيد أحمد بن الوالد.
وسأتحف متابعي الصفحة اليوم بهاتين الرسالتين الجميلتين مع تجراح بسيط لبعض المعاني التي جرت الإشارة إليها.
كتب الإداري الأديب محمد فال بن عبد اللطيف
تهنئة لا تضرها البرودة
السيد الرئيس
بعد تقديم ما يليق من السلام والاحترام أبعث إليكم تهنئة جاءت متأخرة، ولكن لا ضير في ذلك، فالتهانئ من الأشياء التي لا تضرها البرودة ولا سيما إن كان صاحبها يرقق عن صبوح..
نصركم الله وأيدكم.
لعمري لفاز الاتحاد بواحد
توحد في كل المزايا ابن والد
تعزز منه الاتحاد بأيِّدٍ
خبير بصير ناقد غيرِ راقِدِ
وهل لكمُ يا سادتي في استشارة
مقدَّمَة من قاعدٍ متقاعد
يربي بها في الناس سيرة ذاته
وتغني محاقَ الشهر نورَ المَواقِدِ
وقد قلت لما أنْ بعثتُ بها لكم
مقالا قويما منشدا غيرَ ناشد:
"فلا بد من عوجاء تهوي لراكب
إلى ابن الجُلاحِ سيرُها الليلَ قاصدِ"
وردت في رسالة الشيخ إشارة إلى مثل عربي سائر هو "عن صبوح ترقق" والصَّبوح ما يشرب صباحا والغَبوق ضده، وترقيق الكلام تزيينه وتحسينه، والمعنى أنك ترقق وتحسن كلامك مكنيا عن صبوح، وأصل المثل أن رجلا اسمه جابان نزل بقوم ليلا، فأضافوه وغبقوه، فلما فرغ قال: إذا صبحتموني كيف آخذ في طريقي وحاجتي؟ فقيل له عن صبوح ترقق، ويضرب لمن كنى عن الشيء وهو يريد غيره، كما أن الضيف أراد بهذه المقالة أن يوجب الصبوح عليهم.
وفي ذات السياق، فقد روى أبو عبيد عن الشعبي أنه قال لرجل سأله عمن قَبَّل أم امرأته، فقال أعن صبوح ترقق؟ حرمت عليه امرأته، قال أبو عبيد ظن الشعبي فيما أحسب ما وراء ذلك.
كما استوقفني في أبيات بباه الجميلة قوله:
"مقالا قويما منشدا غير ناشدا"
والفرق بين المنشد والناشد من جهة أصل الاستعمال أن المنشد هو الذي يرفع صوته بالشعر ويستشهد به فهو مرتبط بفعل الأداء والإنشاد والاستشهاد، أما الناشد فمأخوذ من النشد وهو الطلب، ويقال نشد الضالة أي طلبها وسأل عنها بين الناس، ومنه وصف عمر بن أبي ربيعة لرحلة بحثه عن ابنته أمة الواحد:
لم تدر وليغفر لها ربها
ما جشمتنا أمة الواحد
أتعبت بالسير براذيننا
نسأل عن بيت أبي خالد
نسأل عن شيخ بني كاهل
أعيا خفاء نشدة الناشد
أما البيت الذي ضمنه شيخنا محمد فال بن عبد اللطيف في آخر أبياته، فهو للنابغة الذبياني من قصيدة شهيرة يمدح بها النعمان بن المنذر يقول في مطلعها:
أهاجك من سعداك مغنى المعاهد
بروضة نُعْمِيٍّ فذات الأساود
تعاورها الأرواح ينسفن تربها
وكل ملث ذي أهاضيب راعد
إلى أن يقول:
غرائر لم يلقين بأساء قبلها
لدى ابن الجُلاح ما يثقن بوافد
أصاب بني غيظ فأضحوا عباده
وجللها نعمى على غير واحد
فلا بد من عوجاء تهوي براكب
إلى ابن الجلاح سيرها الليل قاصد
تخب إلى النعمان حتى تناله
فدى لك من رب طريفي وتالدي
فأجاب رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين السيد أحمد بن الوالد رسالة الإداري الأديب محمد فال بن عبد اللطيف بما يلي:
وصلتني رسالتكم المحبرة بمداد الود، والمختومة بطابع الوفاء، فكانت كبرد النسيم في هجير الأيام؛ وما تأخرُ التهنئة منكم إلا كإبطاء السحاب الهتون؛ لا يزيده المكثُ إلا جوداً، ولا يضاعفُ الصبر عليه إلا حمدا.
لقد وصفتم فأصبتُم، وأشرتم فأنرتم، فأنتم تملكون خلاصة تجربة العائد من غمار الحياة بقلبٍ بصير، ونظرٍ غيرِ كليل، وإن بيوت الأدب والحكمة لا تُبنى إلا على أعمدةٍ من مثل آرائكم السديدة، وإن العلم الذي تنشرون في الناس هو المنهل الذي يرتوي منه الظمآن إلى الرفعة والكمال.
فتقبلوا شكرنا واعترافنا بفضلكم، وتقديرنا لمقامكم، وصيانتنا لعهدٍ أنتم رعاته وحماته.
تحية ود صادق النبع تالد
إلى والدي المفضال أكرم والد
فموجبه أني على العهد منكم
كمـا كنت قبلا قائما غير قاعد
وما أنا إلا خادم لك مخلص
وما أنت إلا ماجد وابن ماجد
فدمت مناراً يستضاءُ برأيه
وبيت قصيد في بيوت القصائدِ
ومقعدكم يدعوكمُ في اتحادكم
فليس غريباً بين تلك المقاعد
ففي شعركم ما يطبي كل شاعر
وفي نقدكم ما يطبي كل ناقد
وكم كان لي من ذلك الشعر بلسم
وكم عادني ما خلته غير عائد
وفي صلة الموصول أذكر منشدا
"ولا بد للموصول من عود عائد"
أما الشطر الذي ضمنه رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين في آخر أبياته الجميلة، فهو لعلامة عصره وأعجوبة دهره حرمة الرحمن بن الحاج سيدي بن القاضي، وقد ورد في بيتين غزليين جميلين هما:
لقد عادني ما خلته غير عائدي
بساسية الأنساب في حي عائد
ضنى من هواها واصلي وهي لم تصل
ولا بد للموصول من عود عائد
طاب دماسكم
*يعقوب بن اليدالي*