عن وثيقة الإرث الإنساني..مصالحة أم مقايضة ؟/ شيخنا محمد سلطان

2026-02-11 17:54:31

تناولت صفحات التواصل الاجتماعي ما قيل إنها تسريبات لوثيقة الإرث الانساني التي أعدتها لجنة عشرية مكونة بالتناصف بين أسر الضحايا و ما قيل إنهم مستقلون.

يقال إن الوثيقة لم تتعرض للسياق العام و التسلسل التاريخ لمجموعة الأحداث التي هيأت الأرضية الملائمة لردة فعل نظام معاوية ولد الطايع و التي يدعى انصار أفلام أنه حدث خلالها انتهاكات لحقوق بعض المواطنين من البولار.

إن الشرخ الاجتماعي الذي نعيشه اليوم ليس وليد الصدفة و إنما هو نتيجة حتمية لأكثر من عقدين من الزمن سعت خلالهما النخبة الفرنكفونية من البولار إلى إحداث هذا الإرث الثقيل.

كانت الشرارة الأولى بيان 19 إطار زنجي الصادر سنة 1966 والذي رفضت فيه هذه الزمرة إدخال تدريس ساعتين من اللغة العربية إلى المناهج التربوية في مسعى عنصري واضح لطمس هوية الأغلبية العربية .

تلى ذلك منشور الزنجي الموريتاني المطهد ثم تأسيس حركة افلام العنصرية ليتوج ذاك المسار التحريضي بالمحاولة الانقلابية العنصرية الفاشلة التي دبرها ضباط وجنود من قومية البولار و الذين سعوا حسب شهاداتهم في المحاكم و كذلك الوثائق التي ضبطت بحوزتهم إلى إعدام الرئيس معاوية و كبار الضباط من البيظان .

في هذا السياق تتنزل ردة فعل النظام ٱنذاك والتي شملت الانقلابيين و حاضنتهم السياسية حركة أفلام و ربما تأثر أبرياء ٱخرون عسكريون و مدنيون.

إن خلو الوثيقة المقترحة من ذكر هذه الأحداث و تحميل أصحابها الجزء الأكبر من المسؤولية يعتبر تبييضا غير مبرر لمجرميين كان لهم الدور الاكبر في تلك الأحداث.

يقال إن الوثيقة قد أقترحت عدة نقاط هي في جوهرها مطالب حركة أفلام:

تحديد لائحة الجناة تمهيدا لتقديمهم للعدالة.

تخصيص يوم وطني للتذكير بتلك الانتهاكات.

دفع الدية لذوي الضحايا.

تدريس تلك الأحداث ضمن المنهاج التربوي.

هذه المقترحات هي نفسها مطالب حركة أفلام.

إن من أخطر ما في هذه الوثيقة هي اقتصرها على انتهاكات تعرضت لها مجموعة عرقية واحدة و التغاضي عن ما تعرض له من سبقوهم او لحقوا بهم من المواطنين و الذين تعرضوا للقتل و التعذيب و الفصل عن العمل، مما يؤسس لتمييز عنصري بغيض و كأن دماء و كرامة الموريتانيين ليست متكافئة.

إن محاسبة ضباط او جنود على تنفيذ أوامر قادتهم سيخلق نوعا من عدم الانضباط داخل المؤسسة العسكرية، فمعلوم ان من قواعد الانضباط العسكري التنفيذ قبل طلب التفسير.

إن تخصيص يوم لاحياء تلك الذكرى التي هي أحداث معزولة وليست وليدة حرب أهلية إنما هدفه تنشيط الذاكرة بتلك الجراح و عدم طي الملف بشكل نهائي.

أما القبول بدفع ديات لضحايا مفترضين فهو اقرب إلى دفع رشوة لاسكات صوت مزعج ظل يؤرق كل من تولى السلطة.

إدماج تلك الأحداث المفترض وقوعها دون غيرها من وقائع الإرث الانساني سيجعل اجيالا قادمة من أبناء البلد ينظرون إلى نظرائهم بحقد و يجعل ٱخرين يشعرون بعقدة ذنب لم يرتكبوها لا هم و لا ٱباؤهم.

لسنا ضد تصفية الإرث الانساني لكننا لن نقبل بلونيته واقتصاره على ضحايا معيين بعضهم إفتراضي و حرمان ٱخرين لا شك فيما تعرضوا له من انتهاكات.

و السؤال المطروح ما مصلحة النظام في نكي جراح ألتئمت عدة مرات؟ 

و ما الذي سيكسبه النظام من ملف أصبح وسيلة ابتزاز دائم لكل رئيس و مصدر ثراء لسماسرة يعيشون على ريعه؟

وهل حسب النظام الارتدادات السلبية لمقترحاته هذه؟

وهل يعي النظام انه سيدخل نفسه في نفق مظلم لا نهاية له؟

قد يكون النظام اليوم بحاجة إلى إرضاء كل الاطراف حتى يمرر ما يريد من خلال الحوار لكن عليه ان يدرك الفرق بين المصالحة و المقايضة، فالأولى لا تتأسس إلا من خلال الشمولية و العدالة و الانصاف أما المقايضة فهي منفعة خاصة بين طرفين و لا طابع جامعي لها.

شيخنا محمد سلطان.

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122