الوحدة الوطنية… صمام أمان الحاضر والمستقبل/ جعفر بن كباد

2026-01-17 01:17:37

في زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الانقسام، وتتعاظم فيه خطابات التفريق، تبرز الوحدة الوطنية بوصفها الخيار الأوحد لصيانة الدول وحماية المجتمعات من الانزلاق نحو الفوضى والاضطراب. فالوطن ليس تجمّعًا هشًّا لهويات متناحرة، بل كيانٌ جامع، لا يستقيم إلا إذا تعالت فيه رابطة المواطنة على سائر الروابط الضيقة.

لقد ميّزت أجيال التأسيس في كثير من دول المنطقة – ومنها موريتانيا – بين الانتماء الاجتماعي الطبيعي وبين تحويله إلى أداة صراع. فلم تكن الجهوية ولا القبلية ولا الشرائحية وقودًا للخطاب العام، بل ظلّت في إطارها الاجتماعي والثقافي، بينما كان الانتماء للوطن هو العنوان الأبرز، والمرجعية الأعلى. وقد أسهم هذا الوعي المبكر في تثبيت أركان الدولة، وبناء الحدّ الأدنى من الثقة بين مكوّناتها.

غير أنّ الواقع المعاصر يشهد تصاعدًا مقلقًا لخطابات الفرقة، التي لا تكتفي بتوصيف الاختلاف، بل تسعى إلى تأجيجه وتسييسه، وتحويله إلى معركة وجود. وهذه الخطابات، مهما تلونت بشعارات المظلومية أو العدالة أو الخصوصية، تنتهي – في الغالب – إلى نتيجة واحدة: إضعاف الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وفتح الأبواب أمام التدخلات والصراعات.

والنظر في تجارب الجوار العربي والإفريقي كفيل بإبراز فداحة ثمن الفرقة. ففي بعض الدول العربية، قادت الانقسامات الطائفية والجهوية إلى حروب أهلية مدمّرة، انهارت معها مؤسسات الدولة، وتحوّلت المدن إلى ساحات صراع، وضاع الاستقرار الذي بُني عبر عقود. وفي دول إفريقية قريبة، أدّت العصبيات القبلية والشرائحية إلى نزاعات دامية، عطّلت التنمية، وأغرقت المجتمعات في دوّامة من العنف والثأر، لم تخرج منها إلا بخسائر فادحة في الأرواح والاقتصاد والسلم الأهلي.

إنّ الدعوة إلى الفرقة، صريحةً كانت أو مواربة، ليست تعبيرًا عن وعيٍ سياسي، ولا علامةَ شجاعةٍ فكرية، بل هي – في جوهرها – مسارٌ خطِر، يختزل الوطن في جماعة، والدولة في فئة، ويستبدل منطق الشراكة بمنطق الغلبة. وهي دعوة لا تنتج إصلاحًا، بل تؤسس لصراعات طويلة الأمد، غالبًا ما يدفع ثمنها البسطاء قبل غيرهم.

ولا يعني نبذ الجهوية والقبلية والشرائحية إنكار التنوّع أو محو الخصوصيات، فالتنوّع سنّة اجتماعية، وهو – إذا أُحسن تدبيره – مصدر ثراء وقوّة. غير أنّ الخطر كل الخطر يكمن في تحويل هذا التنوّع إلى سلاح سياسي، أو إلى معيار للتمييز في الحقوق والواجبات. فالمواطنة العادلة تقوم على المساواة أمام القانون، وعلى تكافؤ الفرص، لا على الانتماء الجغرافي أو القبلي أو الاجتماعي.

إنّ حماية الوحدة الوطنية مسؤولية جماعية، تبدأ من الخطاب الإعلامي، وتمرّ عبر المدرسة والجامعة، وتتكرّس في خطاب النخب السياسية والثقافية والدينية. وهي ليست موقفًا ظرفيًّا يُستدعى عند الأزمات، بل خيارٌ استراتيجي، لا غنى عنه لضمان الاستقرار وصناعة المستقبل.

ختامًا، فإنّ الأوطان لا تنهض بالأصوات التي تمزّقها، بل بالعقول التي تجمعها، ولا تُحمى بالتحريض، بل بالوعي. والوحدة الوطنية ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، أثبتت تجارب المنطقة، عربيّها وإفريقيّها، أنّ التفريط فيها هو أقصر الطرق إلى الندم، وأنّ التمسك بها هو السبيل الأضمن للأمن والتنمية والكرامة المشتركة.

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122