كتب إسماعيل ولد محمد يحظيه: دخار بلا نهاية وعمر بلا زيادة

2026-02-11 16:20:43

في ظاهرة الإدخارات الكبرى، والكسب غير المشروع، يبرز سؤال فلسفي بسيط لكنه مقلق : هل تتناسب هذه التكديسات المحمومة مع العمر الافتراضي لصاحبها ؟ 

الإنسان محدود في الزمن، محدود في القدرة على التمتع، محدود في الصحة، ومحدود في الفرح والطاقة، فكل ثروة تتجاوز حاجته الطبيعية لن تعود امتدادا للحياة، بل انفصالا عنها، إذ يصبح المال أكثرَ مما يستطيع العمر أن يستهلك، وأكثر مما تستطيع النفس أن تُحوله الى معنى، والمفارقة أن بعض الناس يجمعون لا لأنهم يحتاجون، بل لأنهم يخافون، فيتحول الإدخار من احتياط مشروع الى قلق مزمن، ومن تدبير عقلاني الى وهمِ سيطرةٍ على المستقبل كما لو أن المال يُشترى به الخلود، أو يؤجل به المصير، أما الكسب الحرام فمأزقه أعمق، إذ هو في الغالب اختصار لأعمار الآخرين وحظوظِهم من أجل حياة لن تكتمل لصاحبه، أي سرقة زمن الفقراء لبناء فائض لا يملكه الزمن نفسه، والحجة الأسهل في مواجهة هذا التوجه ليست الوعظ وحده -- وهو مطلوب بطليعة الحال -- بل هي التناسب، فما عساها تكون وظيفة المال اذا تجاوز الأمان‌‌َ والحاجة؟ 

 حين يصبح المال غاية لا وسيلة يتحول الى رقم محروس لا إلى حياة مُعاشة، الثروة التي لا تنتهي الى أثر، أو خير، او معنى، تنتهي غالبا الى عبء ثقيل: خوفٍ من الفقد، قلقٍ من الحساب، إرهاقٍ من الحراسة، ثم انتقالٍ سلِس الى ورثةٍ أو نزاع قاتل. 

  ونهاية فكم هو فادح أن يقضي المرء أيامه جمعا، وغسيلا، وحراسة، إذ ليس كل تبييض طهارة بل هو تزوير للطهارة، فما أيسرَ أن تُبيّض المالَ، وما أعسرَ أن تَسعد ببياض الروح

 ليوم تبْيَضُّ فيه وجوه، وتسودُّ أخرى. 

........ 

اسماعيل محمد يحظيه

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122