يس مهرجان نواكشوط للشعر العربي مناسبة احتفالية عابرة، ولا طقساً ثقافياً يُؤدّى ثم يُطوى، بل هو إعلان متجدّد عن موقع الثقافة في الوعي الوطني، وعن إدراكٍ رسميٍّ آخذٍ في النضج بأن الشعر ليس ترفاً جمالياً، بل ذاكرة أمة، ومخزونها الرمزي، ولسان وجدانها حين تعجز السياسة عن التعبير.
لقد جاء افتتاح الدورة الحادية عشرة من المهرجان بالمركز الدولي للمؤتمرات “المختار ولد داداه” ليؤكد أن الثقافة في موريتانيا لم تعد هامشاً مُلحَقاً، بل صارت جزءاً من مشروع الدولة، تتقدّمه وزارة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، بوصفها وزارة وصيّة اختارت أن تنتقل من منطق الرعاية الشكلية إلى منطق البناء الثقافي المؤسسي، حيث يلتقي الوعي بالهوية مع الانفتاح على الفضاءين العربي والإفريقي، لا بوصفهما مجالين متقابلين، بل امتدادين متكاملين.
وقد بدا حضور الوزارة في هذه الدورة حضور الشريك الفاعل لا الضيف البروتوكولي، حضور من يرى في الشعر أداةً لتحصين الذائقة، وحفظ الذاكرة، وتجديد الخطاب الثقافي. وهو ما عبّر عنه خطاب معالي الوزير، حين ربط بين التعاون الثقافي الموريتاني–الشارقي وبين رؤية حضارية تعتبر الشعر جسراً للتواصل، لا بين الشعوب العربية فحسب، بل بينها وبين محيطها الإفريقي، ومع الثقافات الأخرى، مع تأكيدٍ لافت على إفساح المجال للأصوات الشابة والمرأة الشاعرة، بوصفهما رهان المستقبل لا زينة اللحظة.
وفي الضفة الأخرى من هذا الجسر الثقافي، تبرز الشارقة، لا باعتبارها داعماً ظرفياً، بل باعتبارها مشروعاً ثقافياً عربياً متكاملاً، يقوده صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي آمن ـ عن معرفة لا عن شعار ـ بأن الثقافة هي الاستثمار الأبقى، وأن الشعر هو الفنّ الأقدر على عبور الحدود، وتجاوز الفروق، وردم المسافات بين الشعوب.
ولم يكن حضور وفد دائرة الثقافة بالشارقة، بقيادة سعادة عبد الله محمد سالم العويس، حضور مجاملة دبلوماسية، بل حضور شراكة واعية، تراكم المعنى وتؤسس للاستمرارية، وهو ما جعل من بيوت الشعر في الوطن العربي، وبيت الشعر في نواكشوط على وجه الخصوص، منارات ثابتة في مشهد عربي وإفريقي متشابك الهوية.
أما بيت الشعر في نواكشوط، فقد تجاوز منذ سنوات حدود “الفضاء” إلى مقام “المرجعية”. لم يعد مجرّد قاعة تُلقى فيها القصائد، بل صار مثابةً لأرباب الكلمة، ومحراباً لسدنة الحرف، وموئلاً تتجاور فيه الأجيال، وتتحاور فيه التجارب، وتُصان فيه القصيدة من العزلة ومن الاستهلاك السريع.
وهذا التحوّل لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة إدارة ثقافية واعية، يقودها الدكتور عبد الله السيد، بعقل المؤسسة لا بذهنية المناسبة، ففتح البيت للمواهب الجديدة دون أن يُغلقه في وجه الرواد، ووازن بين الوفاء للتجربة المكرّسة والرهان على الأصوات الصاعدة، فجعل من بيت الشعر كائناً حيّاً، نابضاً، لا متحفاً لغوياً ساكناً.
ولم يقتصر دور بيت الشعر على محيطه الوطني والعربي، بل مدّ جسور التواصل مع الجوار الإفريقي، واضعاً القصيدة العربية في سياقها الحضاري بوصفها لغة ثقافة وحوار لا لغة انغلاق. فقد انفتح البيت على تجارب شعرية من إفريقيا جنوب الصحراء، واستضاف أصواتاً ناطقة بغير العربية، فكان بذلك سفيراً للغة الضاد، وجسراً ناعماً للتبادل الثقافي، تعبره القصيدة محمّلة بقيم الجمال والتعدد والتسامح.
وفي هذا الامتداد الإفريقي، تنطوي المسافات، وتتراجع الفروق، وتستعيد موريتانيا موقعها الطبيعي بوصفها حلقة وصل حضارية بين العروبة وإفريقيا، لا حدّاً فاصلاً بينهما.
ولعلّ تكريم القامات الشعرية الموريتانية خلال حفل الافتتاح لم يكن سوى تتويج لهذا الوعي المتوازن بدور المؤسسة الثقافية: أن تُنصف الذاكرة دون أن تُصادر المستقبل، وأن تكرّم الرواد دون أن تحجب الضوء عن القادمين.
هكذا تتكامل الأدوار وتستقيم الصورة:
وزارةٌ ترعى وتؤطّر وتمنح الثقافة موقعها المستحق،
وشارقةٌ تمدّ الجسور وتؤمن بأن الشعر لغة جامعة،
وبيتُ شعرٍ يُحوّل الرؤية إلى فعلٍ يوميٍّ، هادئٍ في حضوره، عميقٍ في أثره.
وفي زمن يتراجع فيه الإنصات لصالح الضجيج، يظل مهرجان نواكشوط للشعر العربي دليلاً على أن الثقافة، حين تتقدّم، لا تجمع الكلمة فحسب… بل تُنهي المسافات، وتُخفي الفروق.