الشاعر محمدي ولد أحمد فال الجكني/ إكس (سيدى محمد)

2026-10-21 09:51:10

تقع منطقة آفطوط إلي الغرب من هضبة لعصابه وتضم مقاطعة باركيول, وجزءا من مقاطعة گرو، وتتشكل في معظمها من الوديان والمصبات المائية, وتمتاز بخصوبة أراضيها الزراعية نظرا لتربتها الطينية القابلة للزراعة أكثر من غيرها، فهي منطقة زراعية بالكامل.

وآفطوط فى تشكيلته الكبرى يقوم على تداخل بين لبراكنه وتگانت وگورگل ولعصابة وبين المرتفعات الصخرية والوهاد المنبسطة والهضبات السامقة وبين أشجار الأيك والسدر وحشائش السافانا وبين الآكام والمنحدرات حيث تتوزع قرى آفطوط ونجوعه.

في تلك الطبيعة الساحرة وفي "لبحير" بالذات ولد محمدى ولد أحمد فال سنة 1909م، لأبيه محمد ولد سيدي أحمد ولد أحمد فال ولد السالم ولد بي، ولأمه عائشة بنت العالم الأديب محمذن ولد محمد الأمين ولد أحمد ولد بي.

فتح محمدي عينيه على سحر الطبيعة واغتذى بجمالها وليدا، توفي والده وهو صغير، فأشرفت والدته عائشة على تربيته، وكانت حازمة عاقلة أحاطته برعاية وعناية فائقتين وربته تربية خاصة كان لها الأثر الكبير في تكوين شخصيته العلمية والدينية كما كانت شاعرة، وجهته إلى المحظرة، ورعت موهبته الشعرية.

 درسةمحمدي في محظرة أهل محمود بن احبيب، وهي إحدى المحاظر الجكنية العريقة والمتخصصة في القرآن الكريم، فحفظ القرآن الكريم، ونال الإجازة. 

ثم اتجه إلى محضرة أهل أبات في ولاية تگانت، فدرس علوم اللغة، كما درس مختصر خليل.

تاقت نفسة للحج وارتياد الآفاق طلبا للعلم، فتوجه إلى المغرب، ونزل عند ابن عمه وابن خالته العلامة الشاعر الاديب محمد البيضاوي بن مانة الله (باشا تارودانت)، فاستقبله استقبالا يليق بمكانته، وأحاطه بالتكريم والرعاية؛ زوجه إحدى بناته، وأسكنه الطابق العلوي من داره، وأسند إليه تدريس أبنائه. ولم تكن تلك الحفاوة مجرد واجب قرابة، بل صحبها اهتمام خاص بشخصية محمدي، إذ كان الباشا يترقب ما يصدر عنه من شعر وأدب، ويتتبع مواقفه وطرائفه التي تكشف عن سرعة بديهته وخفة روحه.

وذات يوم، بلغ الباشا أن محمدي ارتجل أبياتا، يتغنى فيها بالحنين إلى «البحير»، ويشكو البعد عنه، قائلا:

 ألا سر للبحير مجد سير :: ولا ترخ الزمام إلى البحير 

ويمم أرضه، خبره عنا :: بأنا بعده لسنا بخير

استوقفته عبارة «لسنا بخير»، فاستدعى محمدي وسأله، في شيء من المداعبة:

 يا محمدي، ألست بخير؟

فأجابه محمدي، من غير تردد:

 نعم، يا سيدنا، لسنا بخير، إنما الراحة راحة القلب!

فضحك الباشا، وأدرك أن وراء العبارة الساخرة قلبا لم يستطع المقام الكريم، ولا ما أحاط به من أسباب الراحة، أن يصرفه عن موطنه وذكرياته.

وخلال إقامته بالمغرب، التقى محمدي عددا من علمائه وأدبائه، ثم استأنف رحلته نحو الديار المقدسة لأداء فريضة الحج. وفي طريقه، مر بمصر، حيث اجتمع بابن عمه، العلامة المحدث محمد حبيب الله بن مايأبى  رحمه الله تعالى ، الذي لم يبق من عمره بعد لقائهما سوى ستة أشهر. فاغتنم محمدي تلك الفترة، ولازمه وأخذ عنه، كما اتصل بغيره من علماء مصر وأدبائها، مستزيدا من العلم والأدب، في رحلة لم تكن مجرد انتقال بين البلدان، بل كانت امتدادا لرحلته في طلب المعرفة.

وكان محمد حبيب الله ينصح محمدي بألا ينتسب إلى الجامع الأزهر، نظرا إلى ما كانت تشهده القاهرة آنذاك من أفكار وافدة وتيارات سياسية حديثة، رأى أنها قد تتعارض مع منهج الإسلام في بعض تعاليمه وأحكامه وممارساته وخطابه. غير أن محمدي، بعد وفاة ابن عمه، التحق بالأزهر وسجل نفسه طالبا فيه.

وفي رحاب الأزهر، حيث تتسع آفاق العلم وتزدحم حلقات الدرس، ظل قلب محمدي مشدودا إلى وطنه البعيد. وهناك نظم طلعته المشهورة التي أودعها شوقه إلى حياة البداوة، بما فيها من بساطة وطمأنينة، وإلى الخيام،  والأغنام وكلاب الرعاة، والماعز، وإلى تفاصيل يومية ربما لا يلتفت إليها غيره، لكنها في ذاكرته كانت تختصر عالما كاملا من الألفة والانتماء. يقول محمدي:

عاگب الأزهر والقسم العام ::  والكليات ؤذي الصوره

شوّفني يلل زاد أيام :: فيهم ذ كامل ما يور

شوّفني يلْ واحد فالذات ::  لخويمات امبين امبيات 

وانشوف اخويمة فاعگيدات :: وانشوف اغنيمة محصوره

وانشوف اكليبة واجديات :: وانشوف امعيزة مكصوره

تداعه فاسهاوي لخيام :: فاثر ازريبية مجروره

ول مكصوره من گدام :: ول مكصوره من لوره

بعد مغادرته مصر، واصل محمدي  رحمه الله  رحلته إلى الأردن ولبنان وسوريا، في مرحلة كانت الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي قد بلغت ذروة الاشتعال. ولم يكن محمدي في تلك الأثناء مجرد عابر للبلدان، أو طالب علم يشغله تحصيل المعرفة وحده، بل كان حاضرا في تأييد الثورة وتشجيع أهلها، بما يكشف عن شخصية تجاوزت حدود الانتماء المحلي إلى أفق أوسع، يحمل هموم الأمة العربية والإسلامية، فنظم قصيدة استخضر فيها تاريخ دمشق ومجدها، ومشيدا بمقاومة أبنائها، وما بذلوه من تضحيات في مواجهة آلة الاستعمار. فجاءت أبياتها محملة بروح الاعتزاز والتحريض:

تيهي دمشق بلا من ولا عار :: ماذا تجرعت من مر وأكدار

تيهي دمشق كساك النصر سندسه :: مخضبا بدماء الظالم الضاري

كم دافعوا عنك من سود مصفحة :: تسطو مسلحة بالمدفع الناري

كم قاتل قتلوا، كم صائل دفعوا :: كم فاتك فتكوا يعدو بأضرار

ما عندهم للوغى إلا عصيهم ::  أو البطولة أو رمي بأحجار

يا جنة العرب الأولى التي فتحوا :: لا زلت في حلل خضر وأزهار

واصل محمدي  رحمه الله تعالى  رحلته إلى بلاد الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج، وكان ذلك في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وولي عهده الأمير سعود. وخلال زيارته للمملكة، أتيح له لقاء ولي العهد، فأنشده قصيدة في مدحه، تجلت فيها شاعريته وقدرته على إحكام العبارة وإصابة المعنى، يقول في مطلعها:

ولي العهد تفديك الوفود :: وتفديك الكتائب والجنود

وقد استحسن الأمير سعود القصيدة وأعجب بما فيها من جمال الصياغة وقوة التعبير، فبادر إلى إكرام محمدي وتبجيله، وأنزله المنزلة التي تليق بمكانته شاعرا وأديبا، في مشهد يعكس ما كان يحظى به من تقدير حين تتاح له فرصة إظهار موهبته.

وبعد أن أتم محمدي مناسك الحج، توجه إلى المدينة المنورة، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاور فيها مدة من الزمن، مستمتعا بقربها الروحي ومكانتها في وجدان المسلمين.

وحين عزم على العودة إلى الوطن، وجد نفسه أمام وداع من نوع آخر؛ وداع مدينة لا يفارقها المرء كما يفارق سائر المدن، بل يحملها معه في ذاكرته وقلبه، ويظل يتطلع إلى الرجوع إليها ما بقي في العمر متسع للأمل.

وقد اختصر محمدي هذه المشاعر في بيتين جمع فيهما بين ألم الوداع وأمل العودة، وبين التعلق بالمدينة ورجاء الدفن بأرضها، فقال:

أنا مولع فمودع بسلام :: سأعود إن سمحت بها أيام

يسأعود عودة ضارع متبتل:: وعسى تغيب في البقيع عظامي

وهكذا، عاد محمدي  رحمه الله تعالى  إلى وطنه بعد غربة امتدت تسع سنوات، حافلة بالأسفار واللقاءات والتجارب التي تركت أثرا واضحا في تكوينه الثقافي والفكري، ووسعت آفاق اهتماماته العلمية والسياسية. فقد أتاحت له رحلاته التعرف إلى عدد كبير من علماء البلدان التي زارها ومثقفيها، والاطلاع على تجاربها الفكرية والسياسية؛ وفي مصر، على وجه الخصوص، أعجب بالنموذج السياسي الذي مثله الزعيم جمال عبد الناصر.

 

ولم تكن عودته نهاية لرحلته، بقدر ما كانت بداية مرحلة جديدة سخر فيها ما اكتسبه من معارف وخبرات لخدمة مجتمعه. فاستأنف التدريس، والتف حوله عدد من طلاب العلم الذين أخذوا عنه، كما اضطلع بدور ريادي في دعوة أبناء قبيلته إلى تجاوز حياة البداوة والترحال، والتوجه نحو الاستقرار وبناء القرى وممارسة الزراعة، إيمانا منه بأن النهوض بالمجتمع يبدأ بتغيير أنماط عيشه وتوسيع آفاقه.

 

وهكذا، لم يحتفظ محمدي بما حصله خلال سنوات الغربة لنفسه، بل سعى إلى نقله إلى قومه، منخرطا في الحياة الثقافية والسياسية، ومشاركا في قضايا مجتمعه وتطلعاته. فقد عاد إلى وطنه محملا بتجربة تتجاوز حدود التحصيل العلمي الفردي، ليجعل منها وسيلة للإصلاح والتغيير، جامعا بين رسالة المعلم ودور المثقف ومبادرة الرائد الاجتماعي.

وظل يواصل العمل والتدريس والإصلاح والتوجيه، حتى توفي رحمه الله في مدينة كيفه سنة 1969، تغمده الله برحمته الواسعة.

 

وكان محمدي رحمه الله، ينظم الشعر الفصيح والشعر الشعبي "لغن".

ومن شعره، يقول إعجابا بمدينة انواكشوط التي كانت يوم الاستقلال قاعا صفصفا وتحولت في فترة وجيزة إلى مدينة عصرية :

الله أكبر قد أحسنت يا باني :: بنيان أندلس أم أي بنيان

مختار يا باني الأوطان من عدم :: أجب سؤال دهيش الفكر حيران

أهذه إرم الفرقان تنشئها :: بناة جن بأمر من سليمان

أم قصر إشبيليا أيام زهرته :: ترنو له العين في حسن وإتقان

أم هي باريز في ريعان نهضتها :: تنحو حضارة نابليونها الثاني

يا حسنها طرقا سودا معبدة :: تمتد شرقا وغربا بين عمران

كأنما قطع الزاجات هندسها :: فنان رومة أو فنان يونان

تكاد تخطف بالأبصار لامعة :: كأنما طليت بزيت دهان

شكرا لماجدنا المختار سيدنا :: يخطو فينعشنا آنا ورا آن

أتى لمنطقة انواكشوط بائدة :: مسلوبة العيش في ضيق وأحزان

بالعزم عمرها نصحا وحضرها :: حقا فلا كاسل عنها ولا وان

فدتك نفسي من بان يرنحني :: بحسن وضع وأبراج وألوان

سقتك عاصمة الأوطان غادية :: بوابل من غمام الودق هتان

كم في نواحيك من نور العلوم وفي :: تلك المعاهد من حور وفتيان !

وكان محمدي صديقا للرئيس المختار ولد داداه وكان المختار يجله، يقول في زيارة المختار لمدينة كيفه :

وطني المقدس "موريتانيا" أرضه :: وسماؤه من سنتي وكتابي

فخري به وبه غناي ونخوتي :: والرزق عند المالك الوهاب

أسعى لواجبه وأنبذ من سعى :: في أن يمس نظامه بخراب

وأنا العدو لمن يخون عهوده :: والمخلصون له هم أحبابي

لما دعاني للتكتل والإخا :: لبيته تلبية الإيجابي

بالشعر أرفعه وأبني مجده :: سط البناة الخلص الأنجاب

خاصمت دون كيانه بشراسة:: وأمطت عن وجه الحيا أنقابي

متمسكا بقناعتي كمواطن :: راج من الله المليك ثوابي

وعقيدتي إيمان كل مكافح :: سندي به وصوابه بصوابي

وتمردي عند الكفاح وعزتي :: بالمورتاني : طالب ونقابي

زملائي الأمناء إن أوصيتكم :: بوصية فلتنصتوا لخطابي

إياكم والحكم في أيديكم :: يا معشر الأعضاء والكتاب

ناشدتكم وطنا غنيا مثريا :: بهر الشعوب بحيرة الإعجاب

وبحق ما في أرضه من معدن :: ومزارع ومراتع وهضاب

لا تجعلوا خيراته نهب العدا :: وضحية الأجناب والألقاب

لا تتركوا سلطاته مرمية :: في قبضة الجهال والأذناب

أزميلي المختار - عش - لكنني :: لي حاجة يا معدن الآداب

باب العروبة دق في آذاننا :: بادر جزيت بفتح ذاك الباب

ويقول فيه:

شرح الصدور قدومك الخفاق :: أهلا وسهلا كلنا مشتاق

بشرى لنا بقدومكم فتشنفت :: آذاننا وتداوت الآماق

لك همة وثقافة تسمو بها :: شهدت بها الأقلام والأوراق

حلم وعطف ترتديه وحكمة :: وتواضع والصبر والأخلاق

يا أيها البطل الزعيم المرتضى :: لتعش رعاك الواحد الخلاق

لا تسلم الوطن العزيز لطامع :: أرواحنا وقلوبنا عشاق

ويقول في ذكرى الاستقلال:

أياعيد عد لي مرة بعد مرة :: لك الله يا عيد الهنا والمسرة

فأيامك الغر الميامين نزهة :: تحن لها أرواحنا حيث مرت 

فعد لي رعاك الله لازلت عائدا :: على راية خضراء تحميك حرة

على أمة تفديك في كل موطن :: ترد الأعادي كرة بعد كرة 

أصرت على استقلالها بفعالها :: فآلت يمينا تستقل فبرت 

وكم حاول الساعون بالسعي ضرها :: وماضرها الساعون مثقال ذرة 

وحين احتدم الجدل حول ترسيم اللغة العربية في موريتانيا بعد الاستقلال، كان محمدي  رحمه الله تعالى  في صميم المشهد الثقافي والسياسي والنضالي، مدافعا عن العربية بوصفها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية، وأحد أبرز مقومات الهوية الإسلامية الجامعة لمختلف مكونات الشعب الموريتاني. ولم يكن دفاعه عنها مجرد موقف ثقافي أو انحياز لغوي، بل كان قضية مبدئية ارتبطت في نظره بالهوية الوطنية وحق اللغة العربية في أن تتبوأ مكانتها في بلد ينتمي إلى الفضاء العربي والإسلامي.

وكان الرئيس المختار ولد داداه  رحمه الله  يتجه نحو ترسيم اللغة العربية واعتمادها لغة رسمية للبلاد، وكان مؤتمر العيون، المنعقد سنة 1965 في مدينة العيون، مناسبة علقت عليها آمال كبيرة لتحقيق هذا المطلب. وفي سبيل المشاركة في هذا الحدث المهم، سافر محمدي إلى العيون، حاملا قضيته إلى منبر المؤتمر، وأنشد قصيدته التي عبر فيها عن تطلعات المدافعين عن العربية، محذرا من استمرار تهميشها، وداعيا إلى إنصافها ورد الاعتبار إليها:

 لسان الضاد يرمق بالعيون :: إليك اليوم مؤتمر العيون

ففكر في ديون الضاد حلت ::  أمؤتمر العيون فبالديون

فطور الشعب كان على منام ::  تطور بعده طور الجنون

لسان الضاد فارغة فؤادا ::  كفاها من جفا «وي ونون»

بريعان الشباب زهت وتاهت :: فهي اليوم يانعة الغصون

فرسمها وإن غضبت «أروبا» :: وخل النوم ينعم بالجفون

وخل رطانة هرمت وشابت :: فهي اليوم موشكة المنون

لكن المؤتمر اختتم من دون أن تتحقق الآمال المعلقة عليه، ولم يصدر عنه قرار بترسيم اللغة العربية. ومع ذلك، لم يتراجع محمدي عن موقفه، ولم يتعامل مع إخفاق المؤتمر باعتباره نهاية المعركة، بل ظل متمسكا بمطلبه، مواصلا الدفاع عن العربية في المحافل الثقافية والسياسية.

وفي عام 1966، أصدرت الحكومة الموريتانية قرارا بترسيم اللغة العربية، في تطور مهم ضمن مسار الصراع حول مكانتها في الدولة الناشئة. وكان محمدي من أبرز المدافعين عن هذا التوجه، وفق ما يروى عن دوره في تلك المرحلة. غير أن القرار أثار اعتراض بعض الفرنكوفونيين واحتجاجهم، بدعوى أنه ينطوي على إجحاف بحق بعض مكونات الشعب الموريتاني، فتحول الخلاف حول اللغة إلى مواجهة سياسية وثقافية تجاوزت مسألة الترسيم في حد ذاتها.

وفي خضم هذا الجدل، واصل محمدي الدفاع عن العربية، رافضا ما رآه محاولات للنيل من مكانتها أو تعطيل اعتمادها لغة رسمية. وقد عبر عن موقفه في قصيدة أخرى من بحر الوافر، خاطب فيها اللغة العربية مستنكرا التهاون في نصرتها، ومساءلا المسؤولين عن موقفهم من القرار وما أعقبه من اعتراضات، قائلا:

لسان الضاد ويحك ما الجواب :: لما فعل الغطارفة النواب

وما هذا التهاون والتواني ؟ :: وما هذا الهجوم والانسحاب ؟

مغامرة جنت برمت بليل :: أقاموها وقد سدل الحجاب

فما رأي الرئيس وعامليه ؟ :: فهل هذي مغامرة صواب ؟

إذا كان الصواب لسان قوم : أعاجم لا يتم به الخطاب

يرسم في البلاد ويصطفوه :: فذلكم النواب إذا سراب

وتكشف هذه المواقف والأشعار عن جانب جوهري من شخصية محمدي؛ فقد جمع بين الانخراط في العمل الثقافي والمشاركة في الشأن السياسي، واتخذ من الشعر أداة للدفاع عن قناعاته والتأثير في الرأي العام. ولم يكن حضوره في معركة ترسيم العربية حضور شاعر يكتفي بالتعبير عن موقفه، بل كان حضور مثقف يرى أن للكلمة مسؤولية، وأن الدفاع عن اللغة جزء من الدفاع عن الهوية والذاكرة الجماعية.

لقد خاض محمدي معركته من منطلق إيمانه بمكانة العربية الدينية والثقافية، وبقدرتها على أن تكون لغة جامعة للموريتانيين، وظل وفيا لهذا الموقف رغم تعثر المساعي واستمرار الخلاف. وهكذا، تجاوز شعره حدود التعبير الأدبي إلى تسجيل مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، حين أصبحت اللغة العربية موضوعا للصراع السياسي، وساحة للتجاذب حول شكل الدولة وهويتها ومستقبلها الثقافي.

 ومن غزله، يقول في إحدى زوجاته:

تمادى الحب واشتبك الوداد :: بمريمه ولم تفلح ( سعاد) 

ولم تفلح فوارسها العوادي :: كماهزمت عساكرها وبادوا 

وذات مطارحة قال محمدي:

مروري بالبحير غداة سيري :: قليل من ينوبك فيه غيري 

 

فقال الفقيه الشاعر محمد ولد أحمدو:

فإن لدى البحير لنا ديارا  :: أقمناها بعافية وخير 

فقال الشاعر الأديب محمد ولد بيدر ولد الإمام:

فلا تقس الديار إذن عليها :: ولا غير البحير على البحير 

ونختم برائعته التي قالها غب رجوعه من المشرق إلى مسقط رأسه لبحير بعد تسعة أعوام من الغربة :

ألا يا بُحيرَ الصفو واللهو والأنس ::عليك سلام الله يا وجنة الشمس

عليك سلام الله يا مرتع الصبا :: ويا مجمع الأحباب والأهل والجنس

وياثمرة الألباب ياروضة الهنا :: ويا مُذهب الآلام في الروح والنفس

وياموقد الأشواق جئتك ثانيا :: ولكن برق الشيب يبدو على رأسي

ولم تسلني مصر و زهو نعيمها :: ولم ينسني منها سرير ولا كرسي

ولم تنسني سعدى ولا البين والنوى :: ولم أنس لا أنسى ولو كنت في رمسي

ملاعب للغزلان حول ربوعها :: كساها نسيج المزن بالورد والورس

شربنا مدام الحب فيها صبابة :: عهود صبانا الغض والكأس بالكأس

ليالي خود الحي يغرين بالهوى :: يواصلننا همسا ويبخلن باللمس

صبرنا وهاجرناك للشرق تسعة :: وآبت بنا ذكرى مواضيك بالأمس

وأبنا بحمد لله في بارق المنى :: وكنا قبيل اليوم في حالك اليأس

تمتع فؤادي بالبحير وأهله :: فليس عليك اليوم ياقلب من بأس

كامل الود

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122