أيُّ موريتانيا نريد؟ ومنّا من أدّى ما عليه؟ عبد الله ولد أحمد دام

2026-10-06 17:40:55

حين طرح الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، في ستينيات القرن الماضي، من مدينة أطار، سؤال «أيُّ موريتانيا نريد؟»، لم يكن يطرح سؤالاً عابراً، ولا سؤالاً يخص جيلاً دون غيره؛ بل كان يضع أمام الموريتانيين سؤال الدولة والمشروع الوطني والمستقبل.

واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يعيد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني طرح السؤال من أطار، وكأن التاريخ يعيد فتح الصفحة نفسها أمام جيل جديد، لا لكي نكرر الإجابات القديمة، وإنما لكي نسأل أنفسنا: أين وصلنا؟ وأي موريتانيا نريد أن نتركها لأبنائنا؟ وماذا فعل كل واحد منا من أجل موريتانيا التي يقول إنه يريدها؟

وهنا تستوقفني العبارة العميقة: "فليسأل كل واحد منا نفسه: هل فعلت؟ وهل أحسنت الفعل من أجل وطني ما كان يتعين عليّ فعله؟".

إنها ليست مجرد عبارة تستحق الإعجاب، بل هي في جوهرها قاعدة أخلاقية للعمل الوطني. فبناء الأوطان لا يتم فقط بما يقرره رئيس الجمهورية أو تنفذه الحكومة، وإنما بما يؤديه كل مواطن ومسؤول ونخبوي من موقعه، وبمدى استعداده لأن يجعل المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة.

سبع سنوات من بناء الدولة

ومن هذا المنظور، فإن الإنصاف يقتضي التوقف عند ما شهدته السنوات السبع الماضية من توجه واضح نحو تعزيز الدولة ومؤسساتها، وترسيخ حكامة أكثر فعالية، وتحديث الإدارة، وإعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية العمومية باعتبارها تكليفاً لا امتيازاً

وليس من الإنصاف أيضاً أن نقيس مشروعاً بهذا الحجم فقط بما تحقق منه في لحظة معينة؛ فبناء دولة المؤسسات ليس مشروعاً يكتمل بقرار واحد أو خلال فترة قصيرة، وإنما هو مسار طويل يحتاج إلى رؤية سياسية، وإرادة، واستمرارية، وجرأة على معالجة الاختلالات المتراكمة.

لقد اختار فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، منذ وصوله إلى السلطة، أن يجعل من بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وتحسين أدائها أحد المحاور الأساسية لمشروعه الوطني. ومع مرور السنوات، بدأت ملامح هذا الخيار تتضح أكثر، خصوصاً خلال المرحلة الأخيرة، التي اتسمت بتسارع وتيرة العمل الحكومي والإصلاحات.

وهنا يبرز، بصورة لافتة، اختيار الوزير الأول المختار ولد اجاي.

فما يبدو واضحاً هو أن الوزير الأول استوعب مشروع رئيس الجمهورية، واقتنع بضرورته، وامتلك الجرأة الكافية للدفاع عنه وتحويله إلى عمل، كما امتلك رؤية واضحة لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.

 ويبدو أن المختار ولد اجاي قد امتلك، إلى جانب معرفته الدقيقة بملفات الدولة، القدرة على استيعاب طبيعة المشروع الإصلاحي، وعلى إدراك أن المرحلة لا تحتمل الاكتفاء بالتسيير التقليدي، وإنما تتطلب جرأة في القرار، وسرعة في المتابعة، ووضوحاً في الرؤية، واستعداداً لتحمل أعباء الإصلاح وتبعاته.

والثقة التي منحه إياها رئيس الجمهورية لم تكن مجرد تفويض إداري، بل تحولت إلى عنصر من عناصر القوة في الأداء الحكومي؛ إذ أتاحت للوزير الأول أن يبادر، وأن يتابع، وأن يدفع نحو تسريع وتيرة التنفيذ.

فالرئيس يضع الاتجاه العام ويحدد الأولويات، لكن المشروع لا يصبح واقعاً إلا عندما يجد رجالاً قادرين على حمله إلى الميدان، واستيعاب أهدافه، وترجمته إلى قرارات وسياسات وإجراءات.

وفي هذا المعنى، فإن تجربة المختار ولد اجاي تقدم مثالاً مهماً على أن حسن اختيار الرجال يمكن أن يكون في حد ذاته أداة من أدوات الإصلاح.

الإصلاح الحقيقي لا يخلو من مقاومة

لكن الإصلاحات الكبرى ليست سهلة بطبيعتها.

فكل إصلاح حقيقي يعيد ترتيب المصالح، ويضع قواعد جديدة، ويغلق منافذ قديمة، ويحد من بعض الامتيازات، ويفرض على الإدارة مستويات أعلى من الانضباط والشفافية والفعالية.

ولهذا فمن الطبيعي أن يصطدم الإصلاح بمقاومات مختلفة، وأن يجد من لا يريد للأوضاع أن تتغير، خصوصاً عندما تمس الإصلاحات مصالح مترسخة أو ممارسات اعتاد عليها البعض لسنوات طويلة.

وهنا ينبغي أن نفرق بوضوح بين النقد الذي يريد تحسين الدولة، والمقاومة التي تريد حماية الوضع القائم.

فالنقد السياسي الحر ليس خصماً للإصلاح، بل هو أحد شروط نجاحه. والنخبة الوطنية ليست مطالبة بالتصفيق لكل قرار، ولا بتبرير كل خطأ، وإنما مطالبة بأن تكون شريكاً في بناء الدولة: تؤيد ما ترى فيه مصلحة وطنية، وتنبه إلى مكامن الخلل، وتقترح البدائل، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية.

أما أن يتحول النقد إلى وسيلة لتعطيل الإصلاح لمجرد أن الإصلاح مسّ مصالح أو ممارسات قديمة، فذلك أمر مختلف تماماً.

 مسؤولية النخبة

موريتانيا اليوم بحاجة إلى نخبة جديدة في طريقة تفكيرها في الدولة.

نخبة تدرك أن قوة الدولة ليست انتصاراً لرئيس أو حكومة أو حزب أو تيار، وإنما هي مكسب لجميع الموريتانيين.

ولهذا فإن كل من يمتلك موقعاً أو معرفة أو تجربة أو تأثيراً عليه أن يسأل نفسه السؤال نفسه:

ماذا فعلت من أجل وطني؟

هل أدى المسؤول واجبه كما ينبغي؟

هل أعطى الموظف العام من وقته وجهده للوطن ما يستحقه؟

هل قام السياسي بدوره في توعية المجتمع بدلاً من تأجيج الانقسامات؟

هل قام المثقف والإعلامي بدورهما في ترسيخ الوعي الوطني؟

هل وضع صاحب القرار المصلحة العامة فوق اعتبارات القرب والمجاملة؟

وهل أحسنا جميعاً أداء أدوارنا، أم أننا اكتفينا بانتظار الآخرين؟

 إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع وطني هو أن تتحول الإصلاحات إلى مهمة تقوم بها مجموعة محدودة، بينما يكتفي الآخرون بالمراقبة والانتقاد.

ومن هنا فإن الوفاء لمشروع فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره وفاءً للأشخاص، وإنما باعتباره وفاءً لفكرة الدولة، وللمؤسسات، وللمشروع الوطني الذي التزم به أمام الشعب.

 فالوفاء الحقيقي لا يكون بالمديح وحده، ولا يكون بالشعارات، ولا يكون بالدفاع عن الأشخاص مهما كانت الظروف.

بل يكون بالعمل، وبالإنجاز، وبحماية المؤسسات، وبإنجاح الإصلاح، وبمساندة كل مسؤول كفء يعمل من أجل المصلحة العامة، وبنقده عندما يخطئ، وبمساعدته على النجاح عندما يصيب.

المسؤول الكفء لا ينبغي أن يُترك وحيداً

ومن هنا أيضاً فإن المسؤول الذي يمتلك الكفاءة والمعرفة والجرأة والاستعداد للتضحية من أجل الوطن ينبغي ألا يُترك وحيداً في مواجهة صعوبات الإصلاح.

إن الرجال الذين يعرفون الملفات بعمق، ويمتلكون الجرأة على اتخاذ القرار، ويقبلون بتحمل تبعاته، ويضعون المصلحة العامة فوق راحتهم الشخصية، هم رصيد للدولة ينبغي الحفاظ عليه ومواكبته.

 وهذا لا يعني إعفاءهم من المساءلة، بل يعني العكس تماماً: إخضاعهم لمعيار الإنجاز والنتائج، مع توفير البيئة التي تسمح للكفاءة بأن تعمل، وللإصلاح بأن يتقدم.

 لقد طرح المختار ولد داداه السؤال في مرحلة تأسيس الدولة: أي موريتانيا نريد؟

 واليوم أعاد فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني طرح السؤال من أطار، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى استحضار تاريخها وهي تستعد لمستقبلها.

 فماذا فعل كل واحد منا لكي تصبح موريتانيا التي نريدها واقعاً؟

هل قام بدوره؟

وهل قام به على الوجه الحسن؟

هل أدى واجبه تجاه وطنه؟

هل ساهم في تقوية الدولة ومؤسساتها؟

هل عمل من أجل كرامة موريتانيا ومكانتها؟

هل ساهم في تعزيز وحدتها ولحمتها الوطنية؟

وهل كان جزءاً من الحل، أم اكتفى بتشخيص المشكلة؟

إن موريتانيا التي نريدها لن تُبنى فقط بالقوانين والمراسيم والخطط والبرامج، وإنما بأخلاق المسؤولية، وبكفاءة الرجال والنساء الذين يتولون تنفيذها، وبوعي المجتمع، وبقدرة النخب على تجاوز الحسابات الصغيرة عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية الكبرى.

لقد آن الأوان لأن نخرج من ثقافة السؤال عن ما ستفعله الدولة لنا، إلى ثقافة السؤال عن ما الذي نستطيع نحن أن نفعله للدولة.

وعندما يستطيع كل واحد منا أن يقف أمام ضميره ويجيب بصدق عن السؤال: هل فعلت؟ وهل أحسنت الفعل من أجل وطني ما كان يتعين عليّ فعله؟

فإننا نكون قد بدأنا بالفعل في الإجابة عن السؤال الأكبر: أي موريتانيا نريد؟

وعندها فقط لن يبقى سؤال أطار مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل سيتحول إلى مشروع وطني متجدد: موريتانيا قوية بمؤسساتها، عادلة في إدارتها، متماسكة في وحدتها، واثقة في مستقبلها، وقادرة على أن تضع كفاءة أبنائها وإخلاصهم في خدمة وطن يستحق من كل واحد منا أن يؤدي واجبه اتجاهه.. وأن يحسن أداءه

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122