كتب يعقوب اليدالي: مقتطف من الكناش

2026-10-06 15:08:45

عادة أخصص ضحى السبت لمطالعة الكناش وبعض التقاييد التي كتبتها أثناء مطالعتي لأمهات الأدب والتي ما تزال مبثوثة في أوراق ودفاتر متناثرة، فلعل الله ييسر جمعها ورقنها في ملف واحد يسهل البحث فيه، وعادة الا انحظر أصدقاء الصفحة ومتابعيها من متذوقي الأدب ببعض ما لقيته، وسيكون سهمهم اليوم هو عوران قيس ولا نبغيهم يطوزوه 

عُوران قيس

تعتبر قيس عيلان  إحدى كبريات قبائل مضر، وقد تفرعت منها بطون كثيرة، ولم يكن الشعراء الخمسة الذين اشتهروا باسم "عُوران قيس" من بطن واحد بل كانوا من قبائل قيسية مختلفة فمنهم العامري والنميري والذبياني والهلالي والباهلي. والذي جمع بينهم أمران هما الانتساب إلى قيس والعَوَر، ولذلك غلب عليهم اسم "عوران قيس" في كتب الأدب.

وأول هؤلاء العور الخمسة هو تميم بن مقبل العجلاني العامري، وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وظل في شعره شديد الحنين إلى أيام الجاهلية وديارها، وقد وضعه ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول الجاهلية، وقال فيه "إنه شاعر مجيد مغلَّب". ومن أشهر شعره:

طرقتك زينب بعدما طال الكرى  

دون المدينة غير ذي أصحاب 

إلا عِلافيًّا وسيفًا ملطفًا  

وضِبِرَّةً وجناء ذات هِباب  

طرقت وقد شحط الفؤاد عن الصبا  

وأتى المشيب فحال دون شبابي

وثانيهم الراعي النميري والراعي لقب واسمه عبيد بن حصين، وكان من شعراء صدر الدولة الأموية، واشتهر بوصف الإبل والبادية حتى غلب لقبه على اسمه. وعده الأصمعي في عظماء شعراء العرب في الإسلام. ومن جيد شعره:

عجبت من السارين والريح قَرَّةٌ  

إلى ضوء نار بين فردة والرحى 

إلى ضوء نار يشتوي القِدَّ أهلها  

وقد يُكرم الأضياف والقِدُّ يُشتوى

فلما أتونا فاشتكينا إليهم  

بكوا وكلا الحيين مما به بكى

وثالثهم الشَّماخ بن ضرار الذبياني الغطفاني، وهو من كبار شعراء الوصف، ولا سيما للإبل والقوس والحمر الوحشية، وقد جعله ابن سلام في الطبقة الثالثة من فحول الجاهلية، وقال فيه " إنه شديد متون الشعر أشد أسر كلام من لبيد، وفيه كزازة". ومن أشهر شعره جيميته التي يقول فيها:

ألا ناديا أظعان ليلى تعرَّجِ  

فقد هجن شوقًا ليتَه لم يُهيَّجِ 

أقول وأهلي بالجناب وأهلها  

بنجدين لا تبعد نوى أم حشرج

وقد ينتئي من قد يطول اجتماعه  

ويخلج أشطان النوى كل مخلج

ورابع العور حميد بن ثور الهلالي  وهو شاعر مخضرم فصيح بارع في الغزل والوصف ولا سيما وصف الحيوان والصحراء، وقد جعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من شعراء الإسلام، وعده الأصمعي في كبار شعرائهم. ومن جميل شعره ميميته التي يقول في أولها:

ألا هَيَّما مما لقيتُ وهَيَّما  

وويحًا لمن لم ألق منهن ويحما  

أأسماء ما أسماء ليلة أدلجت  

إلي وأصحابي بأي وأيما 

سل الربع أنى يممت أم سالم  

وهل عادة للربع أن يتكلما

وخامسهم عمرو بن أحمر الباهلي وهو شاعر مخضرم فصيح اللسان كثير الغريب، وله عند أهل اللغة منزلة لما في شعره من مادة يحتج بها. ومن شعره:

ثكلى عوان بدوار مؤلفة  

هاج القنيص عليها بعدما اقتربا  

ظلت بجو رؤاف وهي مجمرة  

تعتاد مكراً لعاعاً نبتُه رطبا

عن واضح اللوان كالدينار منجدل  

لم تخش إنساً ولم تترك به وصبا

ومن طريف الصلات بين شعر قيس عيلان وبين أدب أهل شنقيط أن الشاعر العالم امحمد بن الطلبة اليعقوبي عارض اثنين من عوران قيس هما الشماخ بن ضرار وحميد بن ثور رضي الله عنهما. فقد عارض جيمية الشماخ بجيمية مطلعها:

تطاول ليل النازح المتهيج  

أما لضياء الصبح من متبلج 

ولا لظلام الليل من متزحزح  

وليس لنجم من ذهاب ولا مجي

وكان شديد الاعتداد بهذه المعارضة حتى تمنى أن يجمعه الله بالشماخ في ناد من نوادي أهل الجنة، فينشدا قصيدتيهما بين أيدي الحاضرين ليُحكم أيهما أحسن.

كما عارض أيضًا ميمية حميد بن ثور بميميته التي مطلعها:

تأوبه طيف الخيال بمريما  

فبات معنّى مستجنًا متيما  

تأوبه بعد الهجوع فهاضه  

فأبدى من التهيام ما كان جمجما  

لطاف بها حتى إذا النفس أجهشت  

وأبدت بنانًا لي خضيبًا ومعصما

وكان يقول في شأنها قريبًا من قوله في الشماخ، راجيًا أن يجتمع بحميد بن ثور في ناد من أهل الجنة، فينشدا قصيدتيهما ويحكم السامعون بينهما.

ومن باب جمع النظائر، أن قيس عيلان لم تختص عن شنقيط بعورها،  فقد كان للأخيرة أعورهاالمشهور، وهو الفنان امحمد ولد سيدي محمد ولد اعويمر ولد أعمر ولد انكذي، الملقب لعور.

فقد شاع صيته وذاع، وتميز بعذوبة الصوت وحسن العزف حتى صار ظاهرة في زمانه. ومن طريف ما يروى أن بعض الفنانين كانوا يذرون التبغ في أعينهم رجاء أن يصيبهم العور تشبهًا به.

وقد خلد الشعراء ذكره، فقال فيه العلامة أبو مدين بن الشيخ أحمد بن اسليمان:

من كان أصلعَ فليضرب ليطربنا  

أو كان أعور فليشدو بما شاء

يا ليت كل مغن كان ذا صلع  

أو كانت العين عينًا منه عوراء

وخصه الترجمان الأديب محمد بن أبن المقداد بعدة كفان، منها:

لعاد إل من لنسْ  

شاعر بين البحرين  

أزين حسُّ من حس  

إمحمد حسّو زين

وقال:

لعور حسّو يل كط عام  

لول شاحنت افزين  

لعور راعيه اليوم وامْ  

شحان افلعور عين

ومنه قوله أيضًا:

امبر ال كال المجاد  

بصلع بخزر من زر  

ذاك كيف امبر إلعاد  

ال لاه ينكال امبر

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122