اليوم، وبينما يستعد رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني للقاء الصحفيين، تعود بي الذاكرة إلى أول لقاء جمعني به قبل واحد وعشرين عاماً، في ظرف استثنائي كانت تعيشه البلاد عقب انقلاب أغسطس 2005.
في تلك الأيام المضطربة، كانت شوارع نواكشوط تعيش على وقع الترقب والأسئلة. وبينما كنت صحبة الإخوة الزملاء الأعزاء الأساتذة عبد الله محمدي، دداه عبد الله، محمد الأمين ولد محمودي وأحمد سالم البخاري، نستطلع الأوضاع في المنطقة الواقعة بين القصر الرئاسي والإدارة العامة للأمن وإذاعة موريتانيا ومؤسسة البريد، اعترضت دورية للشرطة فرقنا للتصوير واحتجزت معدات التصوير..
بعدر رفض مفوض الشرطة الإفراج عن المعدات، اقترح علينا الأستاذ عبد الله محمدي أن نتوجه إلى المدير العام للأمن الوطني، الذي لم يمض على تعيينه سوى أيام قليلة. استقبلنا العقيد محمد ولد الشيخ الغزواني فورا في مكتبه، نزع قبعته العسكرية ووضعها على طرف المكتب، وأغلق حاسوبه الذي كان يعمل عليه، قبل أن يلتفت إلينا قائلاً: “هذه فرصة لنتحاور، أشرح لكم دوافع ما حدث، وأستمع إلى آرائكم وملاحظاتكم.
لم يكن اللقاء مؤتمراً صحفياً بالمعنى التقليدي، بل جلسة حوار مفتوح. تحدث فيه العقيد محمد ولد الشيخ الغزواني عن رؤيته للمرحلة، وعن حرية الصحافة، وأهمية تحسين أوضاع الفئات الهشة، والتحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد. وحين جاء دورنا، استمع باهتمام إلى أسئلتنا وملاحظاتنا، ثم ناقشها بهدوء، مجيباً عن الاستفسارات، ومعلقاً على المقترحات دون استعجال أو مقاطعة..
وخلال اللقاء، رفع سماعة الهاتف واتصل بالمفوض، موجهاً، مع كثير من الأدب، بالإفراج عن معدات القنوات المحتجزة. ولم يقتصر حديثه على ذلك، بل أوصى أيضاً بحسن معاملة النساء اللاتي يبعن على البسطات في محيط سوق “كابيتال”، داعياً إلى التحلي بالرفق بهن، واختيار أكثر أفراد الشرطة هدوء وانضباطاً لتنفيذ الحملة الأمنية التي كانت تهدف إلى فتح الشوارع المحيطة بالسوق، بعدما شاب بعض إجراءاتها شيء من الخشونة.
عندما غادرنا الإدارة العامة للأمن، لم نحمل معنا معداتنا فحسب، بل حملنا أيضاً انطباعاً عن ضابط بدا مثقفاً، واسع الإصغاء، مدركاً لتعقيدات المرحلة، ومقتنعاً بأن الحوار جزء من إدارة الشأن العام.
مرت إحدى وعشرون سنة منذ ذلك اللقاء. تغيرت المواقع والمسؤوليات، وانتقل الرجل من قيادة المؤسسة الأمنية إلى قيادة الدولة رئيساً مدنياً منتخباً. أما الصحافة الوطنية، فقد تغيرت هي الأخرى، وظهر جيل جديد من الصحفيين، بتطلعات وأسئلة مختلفة..
واليوم، وهو يجلس مجدداً أمام أهل المهنة في لقاء صحفي جديد، تعود تلك الذكرى باعتبارها واحدة من المحطات التي تكشف كيف يمكن للقاء عابر، في ظرف استثنائي، أن يترك أثرا يبقي حاضرا بعد أكثر من عقدين من الزمن.