عروبة صنهاجة بين شهادة التاريخ ومحاولات الطمس

2026-05-15 00:15:20

عروبة صنهاجة بين شهادة التاريخ ومحاولات الطمس

د. عبد الله محمدن امون 

شاعر ومؤلف ورجل أعمال موريتاني

من أكثر القضايا التي أُثير حولها الجدل في تاريخ المغرب الكبير قضية أصول قبائل صنهاجة، تلك القبائل التي لعبت دورًا محوريًا في بناء الحضارة الإسلامية بالمغرب والصحراء والأندلس، وأقامت واحدة من أعظم الدول الإسلامية في الغرب الإسلامي، وهي الدولة المرابطية. 

ورغم أن الروايات القائلة بالأصل العربي الحميري اليمني لهذه القبائل بلغت حد التواتر، إلا أن هناك أصواتا رجحت عدّها في جملة البربر المحليين، وذلك اعتمادا على ما ذهب إليه ابن خلدون وابن حزم وبعض من مؤرخي البربر. 

غير أن المتأمل المنصف في كتب التاريخ والأنساب يدرك سريعًا أن القول بحميرية صنهاجة ليس رأيًا شاذًا ولا رواية معزولة، بل هو القول الذي تبناه جمهور كبير من المؤرخين والنسابة والعلماء على امتداد قرون طويلة، إذ نجد أن كلا من الكلبي والطبري والحسن بن أحمد الهمداني قد نسبوا - دون تردد - صنهاجة إلى حمير، قائلين بأنها من شعوب اليمن التي نزلت بإفريقية. يقول الهمداني نصا في الإكليل: "لمتونة فخذ من صنهاجة، وصنهاجة من ولد عبد شمس بن وائل بن حمير". وقد سار على هذا الرأي ابن الأثير، والسمعاني، وابن خلكان، وابن سعيد المغربي، وابن عذاري، وابن أبي زرع، وابن كثير، والقلقشندي، والنويري، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم من أئمة التاريخ والأنساب. 

وفي ذات السياق يقول أبو محمد الرشاطي: "فشرف صنهاجة أصيل، ومجدهم أثيل، ورياستهم قديمة، ونسبتهم إلى حمير معلومة". أما صاحب الحلل الموشية فيصرح مؤكدا بقوله: "ليس بين لمتونة وبين البربر نسب إلا الرحم، وإنما تبربرت ألسنتهم لمجاورتهم البربر ومصاهرتهم إياهم". وهذه العبارة بالذات من أهم ما قيل في المسألة؛ لأنها تفرّق بوضوح بين الأصل العرقي وبين اللسان والثقافة المكتسبة. فالقبائل قد تتغير ألسنتها وعاداتها بالمخالطة، لكن ذلك لا ينسخ بالضرورة أصولها الأولى. وقد أشار ابن سعيد المغربي إلى المعنى نفسه حين قال عن صنهاجة: "ويذكرون أن أصلهم من عرب اليمن، والعروبة بينهم ظاهرة". 

أما علماء هذه البلاد ومؤرخوها فقد اتفقوا على نسب صنهاجة الحميري وأصلها اليمني، ومن أبرز أولئك العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، الذي ذكر أن جمهور أهل التاريخ على أن لمتونة وجزولة من نسل تبع بن حمير. كما قال بذلك العلامة السيّري أحمد البدوي المجلسي والشيخ سيد المختار الكنتي، وصالح بن عبد الوهاب الناصري وغيرهم.

واللافت للنظر أن القائلين بحميرية صنهاجة ليسوا من جيل واحد، ولا من مذهب واحد، ولا من بيئة واحدة، بل هم ممتدون من القرن الثاني الهجري إلى القرون المتأخرة، ومنهم المشارقة والمغاربة والأندلسيون. وبعضهم سبق قيام الدولة المرابطية أصلًا، كالكلبي والطبري، مما يسقط دعوى المجاملة السياسية أو اختلاق النسب خدمة للمرابطين.

ولم يقتصر القول بحميرية صنهاجة على المصادر العربية القديمة، بل وجد صداه كذلك في بعض الدراسات الأكاديمية غير العربية التي تعاملت مع هذه الرواية بقدر من الجدية العلمية، بعيدًا عن النزعة الاستشراقية التقليدية التي كانت تميل إلى رفض كل انتساب عربي لقبائل المغرب والصحراء باعتباره "اختلاقًا سياسيًا".

ولعل من أبرز هذه الدراسات ما أكده المستشرق البريطاني H. T. Norris في بحثه المعنون بـ: "Yemenis in the Western Sahara " المنشور سنة 1962 في مجلة Bulletin of the School of Oriental and African Studies، حيث خصّص جانبًا من بحثه لمناقشة الروابط التاريخية بين اليمن وغرب الصحراء، وتناول بصورة مباشرة مسألة الأصل اليمني لصنهاجة، معتبرًا أن الروايات التي تربطهم بحمير لا يمكن إسقاطها ببساطة بوصفها أساطير قبلية، بل تستحق الدراسة في ضوء التقاليد الشفوية والأنساب الصحراوية القديمة ومسارات الهجرات التاريخية. 

كما تُعد دراسة الباحثة الروسية A. V. Stepanova بعنوان: "Origin of the Berber Tribal Confederation of Ṣanhādja” والمنشورة سنة 2018، من الدراسات الحديثة التي أعادت النظر في الموقف الاستشراقي التقليدي، إذ ناقشت الروايات الحميرية الواردة في المصادر العربية المبكرة بكثير من التحفظ المنهجي والجدية العلمية، واعتبرت أن فرضية الأصل اليمني لصنهاجة لا يجوز رفضها رفضًا تبسيطيًا، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة تاريخيًا من تداخلات بشرية وهجرات عربية جنوبية قديمة عبر الصحراء والسواحل الإفريقية.

ومع هذا التراكم الكبير من الشهادات التاريخية العربية وغير العربية، يتبين أن الرواية الحميرية لصنهاجة لم تكن مجرد خبر عابر أو دعوى متأخرة نشأت في ظل الدولة المرابطية، بل كانت تصورًا تاريخيًا راسخًا تداولته أجيال من النسابة والمؤرخين عبر قرون متطاولة. غير أن وجود هذا الزخم من الأدلة لم يمنع بعض العلماء، وفي مقدمتهم ابن خلدون وابن حزم، من ترجيح القول ببربرية صنهاجة، وهو ما يستوجب الوقوف عند حججهم وتمحيصها في ضوء السياق التاريخي والسياسي الذي قيلت فيه، وفي ضوء الكثرة الكبيرة من الروايات والشهادات التي ذهبت إلى خلاف ذلك.

بالنسبة لابن خلدون، فعلى جلالة قدره وسعة اطلاعه، فإن رأيه في بربرية صنهاجة لا يمكن فصله عن السياق التاريخي والسياسي الذي ألّف فيه تاريخه. فالرجل كتب في بيئة كانت الذاكرة الموحدية فيها لا تزال مهيمنة، كما أن كتابه قُدِّم وأُهدي إلى السلطان الحفصي أبي فارس، والدولة الحفصية نفسها كانت وريثة للتراث الموحدي المصمودي الذي قام أساسًا على أنقاض الدولة المرابطية الصنهاجية اللمتونية، خصم الموحدين التاريخي وعدوهم الأكبر. ومن ثم فإن ترجيح ابن خلدون للرواية القائلة ببربرية صنهاجة لا يبدو معزولًا تمامًا عن هذا المناخ السياسي والفكري الذي كان يميل بطبيعته إلى تقليص البعد العربي للمرابطين الصنهاجيين، وإدراجهم ضمن الإطار البربري العام الذي كانت الدولة الموحدية تتخذه أساسًا لشرعيتها التاريخية والعصبية. ويزداد هذا الاحتمال قوة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ابن خلدون نفسه لم ينكر وجود الرواية الحميرية، بل نقلها عن كبار النسابة والمؤرخين كالكلبي والطبري والهمداني، غير أنه رجّح خلافها اعتمادًا على اللغة والعوائد والمخالطة، وهي قرائن اجتماعية لا ترقى إلى إسقاط ذلك الكم الكبير من الروايات النسبية المتضافرة. وعليه فإن موقف ابن خلدون في هذه المسألة لا يمكن اعتباره حكمًا تاريخيًا مجردًا ومنزّهًا عن تأثيرات البيئة السياسية والفكرية التي عاش فيها، خاصة وأنه كتب في ظل دول ورثت الخصومة التاريخية مع المرابطين، وكان من الطبيعي أن تجد الرواية التي تُضعف خصوصيتهم العربية قبولًا أوسع في ذلك السياق.

أما ابن حزم بدوره، فرغم مكانته العلمية، إلا أنه تناول المسألة في إطار عام يتعلق بأنساب البربر، ولم يفصل القول في صنهاجة ولمتونة كما فعل غيره من النسابة والمؤرخين، ولذلك فإن الاعتماد على رأيه لنسخ ذلك الجبل المتراكم عبر القرون من أدلة عروبة صنهاجة يعد تحاملا وتحيزا مفضوحا. والحقيقة التي لا ينبغي القفز عليها أن صنهاجة حين دخلت المغرب والصحراء لم تكن — على الأرجح — كتلة مغلقة معزولة، بل اختلطت بالسكان المحليين وصاهرتهم وتأثرت بألسنتهم وعاداتهم، فنتج عن ذلك شعب صنهاجي واسع بامتدادات أمازيغية وإفريقية وثقافة صحراوية مركبة، مع احتفاظ نواته الأصلية بانتمائها الحميري. ولا أرى في ذلك أي تناقض؛ فالتاريخ لا يتحرك في خطوط نقية جامدة، بل في مسارات معقدة من التلاقح والتمازج والتحالف. كما أن الدفاع عن عروبة صنهاجة لا يعني بحال الطعن في الأمازيغ، فالأمازيغ أمة مسلمة عظيمة كان لها دور جليل في بناء الحضارة الإسلامية ونشر الإسلام، شأنهم شأن العرب والترك والكرد والفلان وغيرهم من أمم الإسلام. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقاش التاريخي إلى مشروع أيديولوجي معاصر يراد به فصل المغرب العربي عن عمقه العربي الإسلامي، أو تصوير كل حضور عربي في المغرب على أنه اختلاق أو استعمار أو تزوير. ولا يخفى أن فرنسا الاستعمارية عملت طويلًا على تغذية الانقسامات العرقية واللغوية في شمال إفريقيا، واستثمرت في صناعة ثنائيات متصارعة بين العربي والأمازيغي لضرب وحدة المنطقة وإضعافها. ثم جاءت بعض الحركات الأيديولوجية الحديثة لتعيد إنتاج هذا الخطاب بصيغ جديدة، أحيانًا تحت شعارات ثقافية مشروعة، وأحيانًا أخرى في إطار عداء صريح لكل ما هو عربي وإسلامي. ومن هنا فإن الإصرار على نفي عروبة صنهاجة رغم هذا الكم الهائل من الشهادات التاريخية لا يبدو دائمًا بحثًا علميًا محضًا، بل يتحول أحيانًا إلى موقف أيديولوجي مسبق يسعى إلى إعادة قراءة تاريخ المغرب الكبير بمنظار صراعي معاصر. وخلاصة القول أن الرواية الحميرية لصنهاجة ليست أسطورة طارئة، بل رواية تاريخية تبناها جمهور كبير من النسابة والمؤرخين، وأن تبربر اللسان لا ينقض حميرية الأصل، وأن المرابطين اللمتونيين لم يكونوا طارئين على العروبة، بل كانوا فرعًا حميريًا استعجم لسانه زمنًا ثم عاد إلى العربية حين عادت شروطها الحضارية والدينية والثقافية إلى الغلبة في هذه الربوع.

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122