مالي على حافة الانكشاف
في صمت محسوب، يبدو أن موريتانيا أدارت الملف المالي بعقل بارد وبنفس طويل، واضعة رهانها على مقاربة هادئة تفضي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية دون ضجيج.
وفي هذا السياق، تتقاطع -ولو مرحليا- مع طرفين على طرفي نقيض تقليديا: الجزائر وفرنسا، وبدعم ضمني من الاتحاد الأوروبي، إنه تقاطع لا تحكمه العواطف بقدر ما تفرضه قاعدة قديمة في السياسة: عدو العدو قد يكون حليفا إلى حين.
هذا التلاقي البراغماتي يعكس إدراكا متزايدا لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين بأن ترك مالي تنزلق نحو الفوضى الشاملة لن يظل شأنا داخليا، بل سيهدد استقرار الساحل بأسره، وعليه، تدار الجغرافيا السياسية للمنطقة اليوم بمنطق المصالح الصلبة، لا بالاصطفافات القديمة.
في المقابل، تبدو خيارات السلطة الانتقالية بقيادة آسيمي غويتا قد بلغت حدودها، فقد راهن الرجل على مقاربة أمنية صرفة، قوامها تكديس السلاح وتعويض الشركاء التقليديين بآخرين جدد، وفي مقدمتهم روسيا من خلال مجموعة فاغنر، مقابل تقليص نفوذ فرنسا والقطيعة مع الجوار والساحل، غير أن هذا الخيار لم يحقق الاستقرار المنشود، بل أسهم في تعميق العزلة الإقليمية وتوتير العلاقات مع الجوار، وعلى رأسه موريتانيا والجزائر، فضلا عن فتور واضح مع دول الساحل.
التصعيد العسكري الأخير لم يكن مفاجئا بقدر ما كان نتيجة منطقية لتراكمات سياسية وأمنية، فقد كشفت الهجمات المنسقة التي نفذتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتعاون مع حركة تحرير أزواد وبدعم من أطراف إقليمية ودولية، كشفت عن هشاشة بنيوية في الدولة، بعدما طالت الضربات قلب العاصمة ومواقع استراتيجية في الشمال والوسط، وشكل مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا داخل قاعدة كاتي العسكرية ضربة موجعة للنظام، فيما عكس سقوط كيدال فقدانا فعليا للسيطرة الميدانية.
لقد أبرزت هذه التطورات خللا عميقا في مقاربة حكام باماكو وقصر نظرتهم الإستيراتيجية، حيث إن التعويل على القوة العسكرية وحدها، دون تكوين جيش وطني مقاتل وبناء حاضنة سياسية واجتماعية، جعل الدولة تبدو هشة ومعزولة عن محيطها، وعرضة لاختراق تحالفات هجينة تجمع بين الجهاديين والانفصاليين (عرب -طوارق- إفلان) كما أن استهداف مناطق إنتاج الذهب والمطارات يشير إلى انتقال الصراع نحو مرحلة خنق الموارد، بما يهدد الاقتصاد ويقوض قدرة الدولة على الاستمرار.
إن مأزق غويتا اليوم ليس عسكريا فحسب، بل سياسي بالدرجة الأولى. فالمقاربة الأمنية الصرفة لم تعد كافية، بل أصبحت جزءا من المشكلة. وإذا استمر النهج ذاته، فإن مالي مرشحة لمزيد من التفكك، وربما إعادة إنتاج نموذج الدولة المنقسمة بين شمال متمرد وجنوب هش.
الخروج من هذا المنعطف يمر، بالضرورة، عبر إعادة تعريف إدارة الأزمة: فتح قنوات تفاوض جدية، ترميم الثقة مع الجوار، والانخراط في مقاربة إقليمية شاملة تعالج جذور الصراع بدل الاكتفاء بمظاهره.
دون ذلك، سيظل الاستقرار هدفا مؤجلا في بلد يقف اليوم على حافة الانكشاف.
كامل الانهيار