ليس من الحكمة أن تُفسَّر سياسة النأي بالنفس، في سياق ما يجري في جمهورية مالي، على أنها خيار آمن أو موقف خالٍ من التبعات. فحين تُترك الساحة لقوى إقليمية ودولية لترتيب المشهد الداخلي هناك وفق حساباتها الخاصة، فإن ذلك يفتح الباب أمام توازنات قد لا تراعي بالضرورة مصالح الدول المجاورة، وفي مقدمتها موريتانيا.
إن الاكتفاء بالمراقبة من بعيد، دون انخراط محسوب أو مبادرة دبلوماسية فاعلة، قد يُفضي إلى إضعاف القدرة على حماية مصالح الجالية الموريتانية في مالي، وهي جالية ذات امتداد بشري واجتماعي عميق. كما أن هذا الموقف قد يُفهم، ولو ضمنيًا، على أنه تراجع عن رصيد من العلاقات الأخوية المتجذرة في التاريخ، والتي صاغتها عوامل الجغرافيا ووثقتها وشائج القربى والتداخل الثقافي.
ثم إن الحدود الطويلة المشتركة ليست مجرد خطوط فاصلة، بل هي فضاء حيّ للتفاعل الأمني والاقتصادي والاجتماعي، ما يجعل أي تحول في الداخل المالي ذا أثر مباشر على الاستقرار الوطني. ومن هنا، فإن ترك إدارة هذه التحولات لفاعلين خارجيين دون حضور وازن قد يعني، في المحصلة، التفريط في موقع استراتيجي تشكّل عبر الزمن، وكان ثمرة توازن دقيق بين الحذر والانخراط.
وعليه، فإن المطلوب ليس التخلي عن مبدأ الحياد، بل إعادة تعريفه بشكل يضمن حضورًا ذكيًا ومسؤولًا، يوازن بين تجنب الانخراط في الصراعات، والحفاظ في الوقت ذاته على المصالح الحيوية والروابط التاريخية التي لا تحتمل الفراغ.