نزولا عند رغبة العديد من الأصدقاء ستكون فسحتنا الرمضانية اليوم حول "المشاعرة الرمضانية"، وسياقها باختصار أنني كنت ذات ليلة رمضانية من سنة 2022 ، أمارس رياضة المشي قرب سوق واقف في العاصمة القطرية الدوحة، فجالت في ذهني بنت فكر مؤداها أن المواضيع الأدبية المتعلقة برمضان نادرة الحضور في مدونة الشعر الموريتاني، وأول تفسير ورد علي لتلك الظاهرة هو أن سبب الندرة قد يعود إلى تصفيد الشياطين في الشهر الفضيل، ولعل هذا الطرح يعزز السردية القائلة بأن لبعض فحول الشعراء قرناء من الجن يعيننهم في نسج أشعارهم الجميلة.
ثار تساؤل في خلدي، يتعلق باحتمال وجود ذرية لإبليس تنسج على شاكلة بوسوير، وأنهم ينفثون في روع بعض المشاركين في برامج المسابقات الأدبية التي تكثر في رمضان، ولكني عدلت عن ذلك لأنهم سيكونون مصفدين، إلا أن يكونوا قد أمدوهم ببوسويرهم في أواخر شهر شعبان واستكتموهم عليه.
قررت أن أشارك في سد ذلك الفراغ الأدبي، فارتجلت أبياتا تعالج إحدى السرديات الموريتانية المتعلقة برمضان، والحقيقة أنني أمتلك حقوق ملكيتها الفكرية، فلا طمع لأمثالي سواء في رمضان أو غيره بنفثات أحفاد "لافظ بن لاحظ" و "هاذر بن ماهر" وغيرهما من توابع ونوابغ وادي عبقر، لأنها خاصة بفحول الشعراء لا سوقتهم.
ومن باب الإحماض، فقد.جعلت الخاطرة على شكل مقاولة أدبية رصفت فيها على الأديب الأريب والإعلامي اللامع أحمدو بن أبنو، فما إن وصلت إلى المنزل، حتى فتحت الهاتف، واستعذت من الشيطان الرجيم، وبعثت الرسالة التالية إلى الأديب أحمدُّ بن أبن:
تحية طيبة أستاذنا أحمدُّ
أحيط علمكم الكريم بأن الليلة بدرية حسب رؤية أهل المشرق، فلا تنسونا من صالح الدعاء، وقد جرت في ذلك السياق أبيات عفوا على الخاطر فتجاوزوا عن عجرها وبجرها مشكورين مأجورين:
أأحمد قد مرت ليال زها عشر
سراعا كركض الخيل في مهمه قفر
وهاهي عشر في المسير كأنها
(قلاص عدي أو قلاص بني وبر)
أذكرك العهد الذي كان بيننا
ولا سيما فيما تبقى من الشهر
والشطر الذي بين قوسين للشاعر نصيب بن رباح مولى بن الحبيك بن عبد مناة بن كنانة، وقد أقحمته عمدا في الأبيات ليخفف من برودتها، فنصيب شاعر مطبوع. والشطر المذكور من قطعة جميلة حفظتها في أماسي الإعراب وقبله:
ظللت بذي دوران أنشد ناقتي
ومالي عليه من قلوص ولا بكر
وما أنشد الرعيان إلا تعلة
لواضحة الأنياب طيبة النشر
فقال لي الرعيان لم تلتبس بنا
فقلت بلي قد كنت منها على ذكر
وقد ذكرن لي بالكثيب مؤالفا
قلاص عدي أو قلاص بني وبر
فقال فريق لا، وقال فريقهم
نعم، وفريق قال ويلك ما ندري
لم يمض وقت طويل حتى وصلتني رسالة جوابية من الأديب أحمدُّ، تحدث فيها عن فرحه بهذا التواصل وذكرني بالعلاقات القوية التي تربط سلفنا الصالح، ونوه بالأبيات واستحسنها وأكد لي على ندرة الأدب الذي يمتح من التراث المحلي المتعلق بصيام وقيام رمضان، مشيرا إلى أن البيظان شبهوا مراحل إرهاق الصيام للإنسان بضروب السير لدى الحيوان، فالعشر الأول تمر سريعا لأن الجسم كان متجهزا ومتحفزا للصوم، فكأنها خيول تتسابق في المضمار، ثم يبدأ تأثير الصوم على الجسم تدريجيا، فتطول الأيام وتقصر الليالي، فيكون مرور العشرية الثانية مثل وئيد الإبل، أما العشر الأواخر فتمر بطيئة كسير العَير.
ثم ختم الأديب أحمدُّ بن أبن رسالته بأبيات جميلة وطريفة يقول فيها:
سلام على يعقوبَ يعبق بالعطر
سليل بدور العلم والفضل والذكر
يسابق فيه الرد أسرع بارق
أضمنه بيتا قديما من الشعر
(إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا
ندمت على التفريط في زمن البذر)
والبيت الذي ضمنه أحمدو سائر وشائع ذائع، وهو للشاعر العباسي أبي الحسن الجرجاني، وهو من جملة أبيات جميلة يقول فيها:
وما الفقر إملاق الكريم ولا الغنى
وإن ضلت الآراء في كثرة الوفر
وبعض الغنى تمحو المعائب حسنه
ويخلص طبع المرء في حالة العسر
وقد يسأل سائل عن سبب اختيار الأديب أحمدو لهذا البيت بالذات دون غيره، فالله تعالى أعلم بمراده، ولذلك أعرضنا عنه وجهرنا له غارا وطمرناه فيه.
وقد نشرت المقاولة الأدبية عبر منصة فيسبوك، فلقيت تفاعلا منقطع النظير في المجموعات، وكتبت عنها مقالات أدبية في المواقع، فكأنها ألقت حجرا كبيرا في بركة الساحة الثقافية الآسنة آنذاك بسبب الجائحة.
تواصل معي في نفس الليلة معالي الوزير الأديب عبدالله السالم بن المعلى، منوها بفكرة المشاعرة وجودتها وجدتها، وعلق عليها بالأبيات الجميلة التالية:
إلى أخوي المطربينيَ بالشعر
من اشتريا الآداب غالية السعر
ومن سلكا فيما يسوقان منهجا
توسط بين الوعث في الشعر والوعر
ربيبي حمى العليا رضيعي لبانها
بغير ندى معط ودون جدى مُعْر
سلام له في الشعر (أحمدُ) عودة
وفي نفس (يعقوب) له حاجة الشعر
والحقيقة أن دخول معالي الوزير على الخط رفع السقف عاليا، وأعطى دفعا قويا للمشاعرة، وزاد من اهتمام الأدباء بها.
موازاة مع ذلك، كتب الدكتور الأديب سيدأحمد بن الأمير تعليقا ظريفا على المشاعرة، فنوه بالشاعرين، وقد أجاد في الوصف، ووظف لام ابن الطلبه، فجاءت أبياته منسابة كخرير المياه في روضة أنف.. يقول الأديب الأريب سيد أحمد بن الأمير:
وحقِّ الليالي البيض والشفعِ والوترِ
وما أقسم المولى به جل في الذكر
لقد أحسن الندبان: أحمدُّ شمسُنا
ويعقوب من عالى على هالة البدر
لَجاءا بشعر كالشقائق بهجةً
وكالروض قد غصت روابيه بالقطر
ترى نوْره والصفر منه فواقع
وبيض يعاليل تُرصَّعُ بــ"الحُمْر"
قمت في الليلة الموالية بتحديث التدوينة فأضفت لها مشاركات كل من الوزير والخبير، فزادت أسهم الصفحة، وكثرت التعاليق عليها واتسع نطاق التفاعل.
ولم أنشب حتى قرأت تعليقا شعريا في غاية الطرافة والظرافة، كتبه الأستاذ الأديب والشاعر المطبوع حممو بن عاون، وقد جاءت أبياته متناغمة مع المنحى العام للمشاعرة فتضمنت "اللف" والنشر والتضمين والتورية ومراعاة النظير وحسن التعليل، وهو ما زاد من وهج المشاعرة، ودفع نشطاء الفيس من مختلف الفئات العمرية إلى الاهتمام بها والتعليق عليها.
والطريف أن المعلقين سلكا لاحبين مختلفين، فأغلبهم ظاهري يشيد بجودة سبك وحبك الأبيات والنكت الأدبية التي تتضمنها، وبعضهم يغلب المذهب الغنوصي، مدعيا أنها ليست على ظاهرها وأن فيها من الإشارات ما لا تراه الظاهرية وخلاف الأمة رحمة كما يقولون.
يقول الأستاذ حممو بن عاون:
عليكم سلام الله يانخبة الشعرِ
فقد هجتم شعراً بياناً من السحرِ
فلا والذي حج الملبون بيته
بقدرته تجري السفائن في البحرِ
لقد نفض الأسماع سحرُ بيانكم
كما انتفض العصفور من بلل القطرِ
فيا نفسُ جودي بالقريض وسحرهِ
(سُقيتَ الغوادي من قَريضٍ على وكرِ)
وقد تضمنت أبيات الأستاذ حممو إشارات وإلماحات أدبية جميلة، منها تصرفه قليلا في شطر الشاعر الأموي أبي الصخر الهذلي وذلك في بيته السائر:
وإن لتعروني لذكراك هزة
كما انتفض العصفور بلله القطر
وهذا البيت يستشهد به النحاة، ومحل الشاهد فيه قوله "لذِكراكِ" ووجهه مجيء "ذكرى" علة لعرو الهزة على أن فاعل "العرو" وفاعل "الذكرى" هو المتكلم، فلما اختلف الفاعل جر الاسم الدال على العلة.
والبيت المذكور من قصيدة غزلية لأبي صخر الهذلي يقول فيها:
أما والذي أبكى وأضحك والذي
أمات وأحيى والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى
أليفين منها لا يروعهما الذكر
فيا حبها زدني جوى كل ليلة
ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
ويبدو من أبيات الأستاذ حممو استحسانه لقطعة مولى بني الحبيك التي أشرت إليها آنفا، فقد تمكن من مجاراتها باقتدار، والتي مطلعها:
ألا ياعقاب الوكر وكر ضرية
سقيت الغوادي من عقاب على وكر
وقد يلاحظ ملاحظ أن الدكتور سيد أحمد أجاد في وصف الزهور وأن الأستاذ حممو ضمن بعض الأشعار المتعلقة بالطيور، وأشعار العقلاء مصونة عن العبث.
وفي ذات السياق، يأتي تعليق مليح للقاضي الأديب المختار بن محمذن بن زين، حمل نكهة إيكيدية صرفة، وتشبع ببعض الإشارات الظريفة و"الملح" الطريفة، التي يسلك فيها القوم عادة طرائق "قدداً" ولا يطيب لهم "عيش" دون تذاكرها وتذكرها والتندر بها في مجالسهم ونواديهم، يقول القاضي وقوله ماضي:
إلى من لهم أسمى الفضائل والذكر
سلام تسامى فائح الطيب والنشر
وبعد فقد جئتم بشعر مقرقف
رصين ظريف تالد حيك بالسبر
لما كان من أشياء قد تم ذكرها
بما يقتضي أن لا تضيع مدى الدهر
فمن ذاك أن العيش واللحم إن بدا
لها مصلح كانت ألذ من الخمر
وثم أمور قد تناولها الألى قديماً
(وبعض الأمر يعرض للأمر)
وقد وردتني رسالة على الخاص من متابع نباتي، تتضمن سؤالا ملحا عن ماهية مصلح اللحم الذي ذكره القاضي في أبياته، فأحلته للمدون المشهور البراء بن محمدن فقد يجد عنده ضالته.
يتواصل بإذن الله تعالى
تقبل الله صيامنا وصيامكم
*يعقوب بن اليدالي*