كتب: د. إشيب ولد أباتي، والأستاذ محمد الحسن ولد احمد أخيار.
النخبة السياسية في موريتانيا ..من الحراك السياسي، الى التبعية لرموز نظام الحكم...
إن موضوع هذا المقال عن النخبة السياسية، ودورها، ومسارها التاريخي منذ نشاتها، وتأثيرها فى المجتمع الموريتاني، وتأثرها بالولاء لرموز النظام الحكم على غرار تأثر العامة، وتبعيتها سابقا لشيوخ لقبائل..
والجدير بالذكر ، أن هذا الموضوع ليس له علاقة مباشرة ب"علم السياسة"، والتنظير فيه للدولة، وسياستها، وقوانينها، وتعدد سلطاتها..
وإنما المقال في موضوعه يتعلق بعلم الاجتماع السياسي الذي يهتم بتأثير الجماعات على مجتمعها، كالاحزاب، والمنظمات المدنية، وجماعات الضغط، وتطلعاتها السياسية .
ولسنا مطالبين بهذا التوضيح ، إلا من جهة تصويب، وتوجيه وعي بعض القراء، وذلك لإعفائنا من تساؤلاتهم عما يتطلعون اليه بالحديث عن مجالات علم السياسة، بما يختلف عن هذه القراءة..
فالنخبة السياسية في موريتانيا، تزامن ظهورها مع تعاظم التحديات الداخلية، والتي مصدرها الاحتلال المباشر الذي جثم على الصدر مجتمعنا منذ أن قرر المحتل الفرنسي بجشعه، احتلال بلادنا، بعد أن ابرم أربع اتفاقيات مع أمراء " الإمارات" الأربع منذ بداية القرن التاسع عشر...
وفي منتصف القرن التاسع عشر، بدأ يوسع نفوذه، فظهرت القوى الوطنية، وواجهت المحتلين ببسالة منقطعة النظير، كلفت المحتل الفرنسي العديد من الخسائر في ارواح جنوده ومن عدة، وعتاد.
وصحيح، أن المقاومة بحكم اتساع رقعة البلاد، لم تتحالف فيما بينها لتجابه العدو، لكن ذلك لم يحل دون مواجهته، والنيل منه في معارك، معروفة بمواقعها، وتواريخها، وشهدائها الابطال رحمهم الله تعالى..
وبعد سنة 1902م استطاع المحتل الفرنسي، أن يعلن السيطرة، الأمر الذي يعني، أن المقاومة الوطنية فقدت القدرة على المواجهة، فهل كان ذلك بمثابة استراحة محارب، أو هزيمة عسكرية، أو غلبة التيار السياسي الذي اقتنع بسياسة أمر الواقع..؟
وفي اربعينيات القرن العشرين استأنف المقاومون نضالهم الوطني في مواجهات عسكرية في جنوب البلاد، وكان عنوان تلك المواجهة متعددا، فمنه الديني، ومنه السياسي، ولعل الأخير، هو الذي استانس به المحتلين، فجرى الاتفاق على الانتخابات الرئاسية قبيل الاعلان الاستقلال، وهذه القاعدة الشاذة، ستؤسس لنظام الحكم الوطني في بلادنا منذ سنة1960م.
ويمكن تقسيم النخبة السياسية الى نخبة متفرنسة الثقافة، والتوجه، فربطت مصيرها بثقافة المحتل بعد الاستقلال، و نخبة عربية، طالبت بالتعريب في التعليم، والإدارة، وانفاذ مشروع الاستقلال، وفرض السيادة الوطنية، وتحديد الهوية الوطنية، بالانتماء الثقافي، والديني، و الجغرافي، والتاريخي، والاجتماعي، كجزء من المغرب العربي الكبير، والوطن العربي الأكبر..
وكان لكل من النخبتين، دور في محاولته التأثير على البيئة الاجتماعية، وساهم ذلك في توزيع الوعي، وتفتيت القوى السياسية للحراك السياسي العام، والحد من نفوذه، الأمر الذي أدى بنخبتي الحراك السياسي الوطني إلى التهافت بحثا عن سند سياسي داخلي، وآخرخارجي، فتحالف الفريق المتفرنس مع النظام السياسي، وقد تمكن من النفاذ إلى مراكز الحكم، بينما بقيت النخبة العربية على الهامش، وتوجهت نحو المجتمع، فتوسعت قاعدتها الشعبية،،
وتدخلت عوامل رئيسة، أثرت في الصراع السياسية بين فريقي الحراك السياسي، وأهم العوامل :
1 - الهجرة بسبب الجفاف الذي أثر في المجتمع الرعوي، واقتصاده الذي كان محدود المصادر،، والهجرة الداخلية، كانت من القرى في الوسط، والاطراف، إلى المدن الكبرى الشاطئية، إن على شاطئ النهر في الجنوب، أو على شواطئ المحيط في الغرب الشمالي،،
2 - بداية التصدع في الوحدة الاجتماعية أفقيا، ومنها مظاهر التفكك في البناء الاجتماعي القبلي، والبقاء على " هويته، القبلية اسميا، كهوية مشتركة، وإن افرغها مجتمع المدينة من مضامينها السابقة، كالتكافل الاجتماعي، والتضامن العائلي، واسناد الجماعة للفرد، علما أن التعاون، يعد قانونا عاما " لتبادل المنافع"، والاجتماع البشري على رأي ابن خلدون.
3 - ظهور الفوارق الاجتماعية ، وانعكاسها على سلوك الفرد، ومظاهر البؤس في المدن، ويرجع ذلك إلى تفاقم الاوضاع التي سببت العديد من الاختلالات، و الانحراف الاجتماعي، كارتفاع معدلات السرقة، والقتل، والانحلال الاخلاقي، وشيوع الرشوة في عديد المجالات، كالإدارة، وسلوك افراد الأمن في تنظيم حركة المرور، وغيرها من السلوك المهدد لدخل الفرد المحدود، واستهداف الممتلكات الخاصة، والعامة، وهذا مصدر قلق للرأي العام الوطني، وموقفه الرافض للنتائج الأولية للتباين في المعيشة بين الفئات المجتمعية في مركز القرار السياسي، لكنها من حيث الكثافة السكان، محصورة في الأحياء الغنية. بينما الساكنة التي تقطن الأحياء الفقيرة، تشكل كثافة لا تقاس بالأخرى المنعزلة بالكاد، و المغتبطة بظروفها الميشية الاستثنائية.
ولذلك فالفوارق الموجودة في المجتمع الموريتاني قائمة على أساس التفاوت النعيشي بين مجتمع الحضر في الأحياء القليلة في المدن الكبرى، وبين المجتمع القروي، وامتداداته في القرى، والمدن النائية...
وهنا يلاحظ أن النخبتين في الحراك السياسي، اسندهما الشرخ الحاصل في مجتمع المدينة..
4 - ظهور البطالة اليد العاملة الرخيصة في المنازل : وهذه الظاهرة ، ترجع إلى عديد من العوامل، منها ما هو اقتصادي، كمحدودية الموارد، وانعدام الإنتاج، وغياب قيمة العمل الاجتماعي في مجتمع مشبع بالوعي القبلي السلبي، واحتقاره للعمل اليدوي، ولذلك ظهر بالتزامن مع البطالة المنازلية الرثة، تزايد قوى عاملة يدوية مهاجرة من الاقطار الأفريقية المجاورة، لسد الفراغ، وخلق يد عاملة اجنبية..!
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي تضاعفت اعداد البطالة المقنعة، من اصحاب حملة الشهادات الجامعية، والمعاهد العليا، ويكاد القطاع الإداري ، ان يكون مصدر التوظيف في العمومية، ويليه التعليم، والقطاع التجاري الحر الذي استنزف اقتصاد البلاد بدلاد من زيادة الدخل، وذلك بسبب استحواذ ارباب التجار على العملة الاجنبية العائدة من بيع الموارد الطبيعية، كالحديد، والسمك، فيأخها النجار، ليملأوا الأسواق بالبدائع الآسيوية بما فيها الأدوية المغشوشة،،،!
كما ترجع البطالة إلى غياب التخطيط في مجال التعليم بالنتمية الأقتصادية،،
5 - الزيادة الملحوظة في مؤسسات التعليم في جميع المراحل، وقد بدأ التعليم النظامي منذ ثلاثينينيات القرن العشرين، وكان مفرنسا، لذلك كانت الأطر الأولى من حملة الشهادات، لكن مستوياتهم لا تتعدي مستوى الشهادة الابتدائية، والاعدادية، والثانوية العامة، وما يقابلها في التخصصات الأخرى، كالكفاءة في القانون،، وهذا هو المستوى التعليمي للوزراء ، والإداريين، وقادة الجيش، والأمن الوطني..
لذلك كان لهذا التعليم المتوسطي دوره في تخريج هذه الأطر، وإن لم يغط حاجة النظام السياسي غداة الاستقلال، الأمر الذي اضطر الرئيس المختار ولد داداه - رحمه الله - إلى تجنيس أطر سنغاليين..وشكلوا فيما بعد نواة النخبة المتفرنسة التي رفضت التعريب، وقادت الاحداث سنة 1966م. إثر أدخال اللغة العربية في التعليم .
6 - كان لسياسة التعليم التي قامت بتعريب المناهج منذ (1978 - 1999)، دورها في تشكيل الهوية الوطنية، الرفع من وعي النخبة السياسية العربية، كما كان لصراع الأخيرة مع رموز النظام السياسي، دور أكبر في استقطاب الشبيبة العربية، والانتقال من التوعية السياسية إلى المواجهة للنظم السياسية التي كانت عاجزة عن الاستجابة لمطالب الشارع الوطني، لذلك اصطدمت التيارات الوطنية، والقومية، بانظمة الحكم منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن احتوائها في التسعينات، باعطاء تراخيص للعمل الحزبي، وتكوين الأحزاب القبلية المتحالفة مع كل الرموز المتعاقبة لظام الحكم ، وصارت الاحزاب القبلية البديل للحراك السياسي الواعي..وغاب البحث عن الحقوق المدنية والسياسية للمواطن..
7 - احتدام الصراع السياسي بين النخبة السياسية المتفرنسة التي جمعتها المصالح المشتركة، كعناصر محدودة من ابناء العرب، ومعظمهم من أبناء شيوخ القبائل، والأمن، والدرك، وكذلك نظرائهم من الإثنية الإفريقية.
وظهر الصراع - اول ما ظهر - في احداث 1966م، التي كان المسئول عنه، الفئة الرافضة لإدخال اللغة العربية في مناهج التعليم في معهد " أبي تلميت"، و في الطرف الآخر قادت النخبة العربية الصراع مع النظام السياسي في فترة حكم العسكر بقيادة الدكتاتور محمد خونا ولد هيدالة وذلك سنة 1984م. وقد حاول - بعد اسقاط حكمه - أن يبرر اخطاءه التي ارتكب من اجرام، وسياسة قمعية، على أساس أن النخبة الفرنسية، غالطته بتقاريرها الأمنية، التي كان يعتمد عليها في إدارة الحكم، لأن تلك النخبة، هي التي تمثل ما يسمى الآن ب " الدولة العميقة" ، ولذلك قادت الصراع مع النخبة العربية بسلاح الأمن، وطرد من الوظيفة العمومية عناصر النخبة العربية، ونشر الدعاية لتصفية عناصر النخبة العربية من الجيش الوطني، والأمن الوطني معا.
ولذلك تم تسريح المئات من الجيش، والأمن، والدرك، و الحكام الإداريين، والولاة، كما حصل ذلك أثناء حكم الرئيس معاوية ولد سيدي احمد الطايع الذي كان واحدا من الماركسيين، وكان انتسابه للنخبة الفرنسية واضحا بحكم ثقافته الفرنسية، وأكثر من ذلك الخيانة العظمى كالتواطؤ مع الفرنسيين في الحكم بالاعدام على المقاومين الذي قتلوا افرادا من الحامية الفرنسية فيما يعرف ب" عمارت النعمة"، حيث فرضت فرنسا على نظام الحكم، أن يحاكمهم في محكمة عسكرية كان يرأسها معاوية ، ولا غرابة ، انه قام بالتطبيع مع الكيان الصيوني،.
وارتباط الماركسيين في موريتانيا بالنظام السياسي، وبفرنسا، كان نتيجة انتسابهم ل"حزب الشعب" ، وهو الحزب الوحيد الذي كان مسموحا به أثناء حكم المختار ولد داداه، ولأن السيدة الاولى - الراحلة " مريم" داداه فرنسية الأصل - لعبت دورا مؤثرا، كحقوقية، وواضعة للدستور الموريتاني الأول، علاوة على انتمائها للاشتراكيين الفرنسيين، ولذلك، استمالت الماركسيين بالوظيفة، وبالثقافة الفرنسية، وبالرؤية المتصالحة مع الامبريالية الفرنسية، والانظمة التابعة لها...
2
والسؤال المنهجي الذي يفترض طرحه، هو ما الذي ميز كل من النخبتين: الفرنسية، والعربية عن الأخرى اجرائيا، وسياسيا..؟
وفي سبيل فهم، وتفسير، التموضع الحالي "للنخبة السياسية" في موريتانيا، سنكون مضطرين لتتبع، ماكتب، ويقال في الأحاديث المروية المتباينة عما جرى بالأمس منذ منصف القرن الماضي، و تداعياته اليوم، والوقوف على أهمه مما يستطيع الباحثون، التأشير لفهم انحراف مسيرة النخبة السياسية الوطنية عن الجادة، ولذلك نتساءل بموضوعية، كيف كانت الحراكات السياسية العالمية عامة، ومنها الموريتانية، تعبر عن طموح الطلائع الثورية في التغيير السياسي، والاجتماعي، حين قاد معظمها الثورات الكبري في بداية القرن الفارط،،وتلتها قيادات ظهرت إبان منتصف القرن العشرين، وقادت حركات التحرر والاستقلال في الوطن العربي، وافريقيا، وآسيا، وامريكا اللاتينية، حيث كانت الغاية هي تحرير البلاد، وإقامة نظم وطنية، قادتها النخب الثورية بهدف التغيير السياسي، والاجتماعي، والثقافي، فانشأت انظمة الحكم، وقسمت الاخيرة إلى أنظمة حكم في الجمهوريات الدستورية، وأخرى ملكية دستورية.
بينما التجربة السياسية في موريتانيا، تفردت بخصوصيتها التي عكست الأداء المعرقل للتغيير الاجتماعي، الأمر الذي يستدعي من الباحثين طرح السؤال ، لماذا؟ وللوقوف على القوى السياسية التي كانت بمثابة " كعب أخيل" الذي أوقف التجربة السياسية على رجل واحدة بدلا من امتلاكها لرجلين للتحرك إلى الأمام، و التقدم خطوات في سبيل التغيير السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي..!
فهل كانت النخبة السياسية بحق، هي التي نحت بنظام الحكم إلى فجاج، فذهبت به بعيدا عن التطور، والتنمية، وابقته يدور على نفسه في مرحلة التأسيس طيلة خمس وستين سنة الأخيرة..؟
وما هي خصوصية النخبة السياسية الموريتانية في تصوراتها، واهدافها العامة، وهمومها الخاصة، وأي الاهداف حققت، وأيها لم تستطع تحقيقه؟
ومن المسئول عن ذلك : النخبة بوحدها، أو نظام الحكم الذي اقتادها، من أذنيها، كما تقاد الدابة ، أو مسئولية المجتمع الذي بقي في حالة انتظار..؟ والى متى؟
ومن هنا يمكن تأطير "النخبة" بأواليات تكوينها التعليمي، وتدنيه، عن مستوى الحراك السياسي المنتظر، المتوقع منه، قبيل الاستقلال ، وبعده.
وبعد تشكيل الحكومة الأولى في أول تعيين وزاري، انخرط الحراك السياسي في التجربة السياسية ، خاصة الطيف السياسي المسنود فرنسيا على أساس المنافع المشتركة، و تكريس المصالح التي أدت إلى انقسام الحراك السياسي الوطني إلى قوى، أدارت الحكم، وأخرى عارضته على أساس تحالف قوى النظام السياسي مع المحتل الفرنسي الذي قال عن نفسه على حد تعبير الجنرال ديجول، بأن " فرنسا خرجت من الباب ، لتدخل من النافذة"، وكان قصده، عبر نفوذها، وثقافتها، ورطانتها، وهذا الفهم اعطى المعنى العام للاستقلال في بلادنا، وافرغه من مضمونه، فبقي النفوذ الفرنسي سياسيا، وثقافيا، و توالت أجيال الموظفين، متمسكين:
1- بثقافة المحتل،
2- وتوظيف القبيلة ليبقى ابناء، واحفاد شيوخ القبائل في تحالف مع انظمة الحكم،،وتكريس هذه القاعدة إلى يوم الناس هذا..
3- ديمومة السدانة لأنظمة الحكم..
4- توظيف مؤسسات الحكم، في الصراع السياسي بين النخبة المتفرنسة، والنخبة العربية..
ولذلك، يكاد يكون التوزير في كل مرحلة سياسية بقي يراعي قاعدة التحالف بين النظام، وبين شيوخ القبائل، ومن ثم مع ابنائهم، ثم مع احفادهم.
وهذا الذي يفسر " التدوير" الوظيفي في التعيينات..
وقد حاول - يحاول - عناصر كل من النخبتين الفرنسية والعربية،، تجاوز قواعد التأسيس المذكورة آنفا.. ولكن دون جدوى.
والسؤال المطلوب الإجابة عليه هو: ما دور النخبة السياسية، ومظاهر تأثيرها على أداء النظام، طوال تاريخه في الخمس والستين سنة الماضية..؟
وكيف توسعت هذه النخبة أفقيا، وعموديا في إدارتها لنظام الحكم..؟
وهناك أجابة نسبية، كتبها أحد النشطاء السياسيين، وهو من الأطر الكبار، والمخضرمين، نظرا لشاركته في التسيير، والتوجيه السياسي، وحظي بالتدوير الوزاري، والإداري حتى بعد التقاعد.
و تؤخذ شهادته في توزيع الوظائف العامة، و الصعود في سلم الوظيفة العمومية، والانخراط في مجالات النخبة السياسية، والإدارية، فأكد - هذا الإطار السياسي - على أن " التوزير، كان يخول لكل وزير توظيف أبناء قبيلته في وزارته.."
وهذا السلوك كان يقنن التعيين في الوظيفة العمومية، فضلا عن كونه سياجا، واقيا، يحمي العقد العرفي بين النظام، ويفرض العلاقة الاجتماعية القبلية من عوامل التشظي الظاهرة في المدينة، وفي وعي الفردي، والمجتمع على حد سواء.
بينما نظام الحكم، ينزع نحو التعامل وفق قاعدة لا مكانة لها في وعي المجتمع، واجياله، والزمن الحالي، ونعرف تاليا من هي الجهة المتمسكة بالرابط القبلية، لتوظيفها، دون أن تقدم ما يبرر ذلك لمصلحة المجتمع القبلي.. بل لصالح رؤساء مؤسسات النظام الذين تم التعاقد معهم لاشراك المجتمع في العمل السياسي وفق الهرمية القبلية، وليس لتوطيد علاقات القرابة، والانتماء القبلي..
ومن هنا تظهر فجوة عميقة في العلاقات بين نظام الحكم، وبين المجتمع، رغم ان مؤسسات الحكم، تكاد تبقى كعهدها التأسيسي وزارات قبلية من الوزير الى بواب الإدارة،،
وهذا يعني أن البناء القبلي، وتراتبية الفئات الاجتماعية، كانت مسنودة من نظام الحكم، ووزرائه، والمدراء العامين في الوزارات..
وحين انتشر التعليم النظامي، وتجاوزت نسبة الخريجين في صفوف" البطالة المقنعة"، نسبة الطلب..
لذلك بدأت الشروخ تتسع، وتحول الاهتمام بتحقيق الأهداف العامة لنظام الحكم، إلى الشروع في كل وزارة الى الأهداف الخاصة، وتقديم التوظيف للأقارب، ثم الاتباع السياسيين في الأحزاب القبيلة، سيما أن اجيال المجتمع انتشر بين صفوفها الانتماءات السياسية للتيارات الوطنية، والقومية المناوئة لنظام الحكم، وللنظام القبلي المتخلف ..
لذلك، شح الانتساب للوظيفة العمومية، و راج اسلوب التملق، والنفاق من أجل تجاوز الحواجز المانعة من اختراق سلم التعيينات..
ولا عجب، أن ينتهج عناصر النخبتين الفرنسية، والعربية اسلوب التملق، والنفاق، والسدانة..
فخذا من النخبة الفرنسية المثال التالي، وهو عينة، وليست حالة فردية معزولة:
في إحدى الحملات الانتخابية للرئاسة، قام أحد الاطر التعليمية وهو موظف في أعلى المؤسسات العلمية، بسلوك كان حينها مستغربا، لكنه أصبح متبعا،، فتوسل لرئاسة لجنة الانتخابات ، من أجل أن تعطيه فرصة الكلام، فلما تكلم، قال:" نحن معاشر القانونيين، سنرفع قضية على الرئيس... إذا لم يرشح نفسه للرئاسة،،" فنال بذلك التعيين في وزارة الخارجية حينئذ..
والمثال التالي من النخبة العربية، ويمثل سلوكا لعينة، وليس حالة معزولة عن السلوك المتبع، وصاحبه استاذ جامعي،، نهض بين الجموع، وطلب من الجمهور أن يصفق للرئيس... أثناء خطابه..
فنال تعيينا، هو الآخر..!
أما الظاهرة الأخرى التي تفرد بها الإطار الوظيفي في نظام الحكم، قبوله من نظام الحكم السدانة، والتبخيس من قيمته العلمية، والمهنية.
فالإطار صاحب أعلى شهادة، لكن نظام الحكم يتعامل معه، كما لو انه مقعد في مكتب، فتارة يأمر بوضعه عن يمين، أو شمال، أو امام، أو خلف،،
ومثاله، أنه كثيرا ما يعين رئيس حكومة، ثم ينقل منها إلى وزير، ومن الأخيرة إلى سفير، ومن السفير الى مدير مكتبة، او مدرسة..!
ولعل هذه من الظواهر التي تستدعي من الباحثين دراسة ميدانية، لمعرفة الاسباب الظاهرة، المبررة لأنظمة الحكم الحط من قيمة الإطار، هل لأن الرؤساء، معظمهم جاءوا إلى الحكم من طرف المؤسسة العسكرية، وعدم اعتبارها للمدنيين، أو للتعلم، وأصحاب الشهادات..؟!
وتقديم المكانة الاجتماعية للفرد على كفاءته، وتعيينه على أساس الولاء، وليس على الكفاءة، ولكن لابد من الإشارة الى غياب الوعي السياسي للإطار السياسي، والعلمي بعد توظيفه، فالتوظيف بالنسبة له يشكل قطيعة بين وعيه السياسي السابق، وبين أدائه، و ولائه المطلق لنظام الحكم، كضامن للوظيفة العمومية.
ولا يوجد في علمنا في تاريخ الوظيفة العمومية، أن إطارا استقال، الا سفيرا واحدا، والسائد، هو العكس، ان يقال، ويحصل استبداله بغيره، ولا يمانع في ان يكون بالامس رئيس حكومة، ثم يقال، ويعين وزيرا للخارجية،، ومنها الى سفير، ومنها الى رئيس إدارة مدرسة، او مكتبة عامة...!