نظام الحكم السياسي، والمجتمع الموريتاني

2026-02-03 12:41:03

في البداية، نطرح السؤال، ما هي  علاقة النظام السياسي الموريتاني منذ الاستقلال  بالمجتمع العام..؟

إن أحد الزملاء اقترح الموضوع على أساس الافتراض التالي:  أن  استيلاد النظام السياسي، كان من رحم المجتمع،  وهذا الافتراض يقابله آخر،  يزعم   انتشار ظاهرة " التبني" للأنظمة السياسية  من طرف فئات سياسية، تصارعت على أساس الاستئثار بالمنافع، و لازال الصراع الذي نشأ -  منذ  الاستقلالات الوطنية -  محتدا بين  الراحلين: المختار ولد داداه،  وولد حرمة - رحمهما الله تعالى -  وقد تجدد الصراع بين الرئيس ولد السالك رحمه الله تعالى  الذي استولى على الحكم بانقلاب أبيض في  سنة 1978م، وبين جماعة  الانقلاب الموالية لفرنسا،، كما تجدد الصراع بين خلفه " ولد بوسيف"، وبين محمد خونا ولد هيدالة،  وبينه، وبين فرنسا التي قامت بانقلاب لتولي الحكم، لأهم وكلائها، رغم التصنيف الإيديولوجي، والزعم بأنه أحد الماركسيين، فمعاوية ولد سيدي احمد الطايع، كان مخضرما، وخلال فترة حكمه، أظهر ، انه قبلي، وجهوي، وفاسد، ورغم طول فترة حكمه، فقد  ذهب في زوبعة مفاجئة من  الصراع على الحكم  بينه، وبين شخصين كان أحدهما مدير الامن العام، والثاني رئيس القائد العام للقوات المسلحة، محمد  ولد عبد العزيز الذي جاوز  حدود الصراعات السابقة ليحكم، ويسقط الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله،  رحمه الله، وبعد  حكم محمد ولد  عزيز، تجدد الصراع بينه، وبين رفيقه طيلة فترات حكم الأول ، وخلفه الرئيس محمد ولد الشيخ غزواني، والسؤال جائزة المليون، هو التالي:

 من سيقود الصراع  مع ولد غزواني قبيل نهاية حكمه، أو  بعده  ..؟

 إن مظاهر  الصراعات السابقة، تقدم متغيرا ثابتا، ألا وهو الدور  الخارجي لفرنسا الأمبريالية التي  لازالت متفردة  بالتحكم في زمام الأمور، وتموضع نفوذها في " التحكيم"  في الميدان السياسي بين المتصارعين الذين، يستنجدون بها لترجيح كفة كل منهم   للأستئثار بالحكم على حساب خصمه..

وذلك  على اعتبار، أن فرنسا الامبريالية ، هي صاحبة المعطى الفرنسي" المتبنى"، النظام السياسي الحديث في بلادنا، وهي التي صدردته على أساس تقاسم  المنافع مع كل طارق لباب الرئاسة، و تراه (مؤهلا) للحكم، وهكذا يبقى الحضور الفرنسي، كمحتل سابق، هو القادر في  تنصيب حكامنا الوطنيين، حتى النخاع، الذين لايشكل هذا التدخل الخارجي عائقا  يصم السيادة، والاستقلال، مادام يسعى  لفض الصراعات على نظام الحكم الجمهوري، واخراجه سالما معافا "وظيفيا " بين الوكلاء  الوطنيين، المتنافسين تنافسا( ديموقراطيا )، وحتى قبل الانتخابات الديمقراطية التي بدأت في التسعينات..

و مهما كان  الصراع محموما  فيما  بين " وكلاء " فرنسا على نظام الحكم " المتبني"،

فإننا  لا نرى بوضوح، علاقة عضوية بين  النظام السياسي في أي محطة من محطاته، وبين المجتمع  العام، لأن كلا منهما له سياقه التاريخي المنفصل عن الآخر سواء من حيث النشأة، أم التطور في الوقت الحاضر، فالبناء الاجتماعي، تحكمت فيه معطيات بعضها محلي، والآخر خارجي تركت معالمها ظاهرة في هيكل البناء الاجتمعي، والانساق الثقافية،  وهذا  يعارض وجود  علاقة  التأثر، والتأثير المتبادلين بين نظام الحكم، وبين المجتمع، كالعلاقة بين الغالب والمغاوب - على رأي ابن خلدون - ، فتجاورهما على أرضية واحدة، وتقاطعهما في الكثير من المشتركات بما فيها "الهوية السياسية" الحالية، أدى إلى الالتباس لدى الكثير من أبناء الوطن، وأحيانا سوء التقدير، كالاعتقاد  بأن كلا من النظام، و المجتمع،  يعكس  واجهة  المظاهر للآخر، وأنهما ينطويان على القسمات الشبهية، ولكن السبق التاريخي للمجتمع، كالبناء العام، والتراتبية، والنظام القبلي القروسطوي، ولعلها من القسمات المتخلفة، والقبيحة من تبعات التدمير الحضاري، والإبادة الجماعية  للأحتلال البرتغالي منذ  القرن السادس عشر الميلادي،،

 لذلك ترسخت الخصائص المميزة للمجتمع، بوحدته  ضمن جماعاته، وتراتب بنائه، وظواهره، كالفئوية المتجانسة..

ولعلها من الظواهر  التي فرضتها البيئة الاجتماعية التي شكلت، كذلك  النسق الثقافي، والقيمي، كما ميزت الذوق العام لدى المجتمع، وغيبت دور الفرد، ووجهت السلوك الاجتماعي، والاستئناس به  لدى الأجيال التي تنشأت في الحاضر  غير القابل للتحديث، حتى اصبحت قيمافي شكل ظواهر، تمارس القهر الاجتماعي على الفرد،  ونظام الأسرة، وانماط الحياة المعيشية..!

 وقد يسأل القارئ عن المبررات التي تمكن من  اظهار المشاهد لدى الرجوع  نحو المعطيات الداخلية في فرنسا، كمبرر موضوعي لاعطاء الاستقلال السياسي  لبلادنا كواحدة من المستعمرات  التي لم يحمل ابناؤها السلاح لتحرير بلادهم  من المحتل  قبيل الاستقلال تحديدا ، خلافا  للمقاومة الباسلة  في أواخر القرن التاسع عشر التي قضت عليها فرنسا، ومارست سياسة الأحتواء للمعارضين، ورجال الدين...

 إن المتغيرات في الإقليم منذ خمسينيات القرن الماضي،  كان لها دورها في قرار المحتل للإعلان عن الاستقلال "اسميا"، و" عنوانا" جذابا للقوى السياسية، فحصل ما يشبه  المخدر التنويمي، فاستبدل بالعمل النضالي، المطالبة بالاستقبال بعد ظهور حركات التحرير، ولأن المحتل الفرنسي، لم تكن لديه قناعة لتحميل قوته العسكرية في موريتانيا  مسئولية، تأسيس نظام سياسي على قواعد تهدف لتحديث المجتمع، ولا  محاربة العبودية، وتفكيك هيكل النظام القبلي القروسطوي، لأن ذلك  يستلزم تكلفة أولية،  كالتخطيط الحضري، وتأسيس التمدين، وإقامة المنشئات الحضرية، وتتبع مراحل التطور العمراني، وتقعيد الحكم على النظام الإداري القادر على التسيير..

 لكن كلفة ذلك، كانت ستخصم جزءا كبيرا  من " الريع" العائد  من الثروات الطبيعية، كالمعادن، والصادرات المادية، والمالية، والحيوانية التي، كان  ينهيها  المحتل، ولا من معارض في  موريتانيا، لذلك استفادت منها فرنسا في توسعها  الامبر يالي في اقطار الوطن العربي، وافريقيا الغربية منذ بداية القرن التاسع عشر  إلى يوم الناس هذا..!

وكانت  فرنسا - ولازالت - حريصة على استنزاف معظم  ثرواتنا الوطنية،  وكأن فرنسا، كما السابق  تحتاجها لإستعادة المدائن الفرنسية المدمرة بعد احتلالها من طرف الألمان في الحرب العالمية الثانية..

ولعل  المتغيرات الإقليمية، كالثورة في مصر سنة 1952، ووالثورة الجزائرية،  ودور حركات المقاومة  في كل من المغرب، وتونس، واستقلال  جمهورية مالي المجاورة، وغانا، وغينيا،،  

وكلها عوامل،  لا شك ، أنها سرعت بترحيل  الإدارة الفرنسية  التي كانت تحكم بلادنا من السنغال إلى نواكشوط ليتولاها  بالمباشر رؤساء، ونخب وطنية،،،  فهل كان ذلك بعد أن اقتنع السياسيون الفرنسيون  بأن موريتانيا، ليست مستعمرة، يمكن البقاء فيها سيما، أن  النائب البرلماني" ولد حرمة" -  رحمه الله تعالى -  عن بلاده في الجمعية الفرنسية، طالب علنا باستقلال الجزائر، وخروج الاحتلال الفرنسي منها، وتوقفه عن  التدمير، والقتل الهمجي لجيش الاحتلال في الجزائر..

وكانت تلك المطالبة بمثابة رسالة واضحة للمطالبة بخروج فرنسا من موريتانيا، لذلك قامت فرنسا  باقصاء" ولد حرمة " من الجمعية الفرنسية، كردة فعل خشن، ورغم الاستجابة لمطلبه فيما بعد،، وإن كان بالشكل الذي أرادته فرنسا،  حيث أفرغت النظام السياسي من مضمونه في الاستقلال، والقيادة الوطنية، و التغيير الاجتماعي الذي لازال مطلبا  ملحا اليوم أكثر من أي وقت مضى بعد  نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين...

    والسؤال الذي يطرحه  القارئ، والمتتبع للشحن الوطني، هو:  هل حصل" تكيف" بين المجتمع  التقليدي،  والنظام السياسي  المستأنف  بعد قطيعة بينهما، منذ سقوط نظام حكم المرابطين- المرابطون - في بداية القرن السادس عشر، قبل خلال خمسة قرون، وربع القرن،  وهذا النظام السياسي المستأنف، استفرد القائمون عليه  بتوظيفه، لجلب المنافع حصرا بين المسيرين الإداريين، والسياسيين، و"شركائهم الدوليين"، وهي مقولة ترددت - وتتردد - على ألسنة المسئولين الحكوميين في مجال ابرام الاتفاقيات الأمنية، والصفحات الأقتصادية، كاعتراف مخجل، لا لبس فيه على التبعية، وسياسة الخضوع الطاعنين في كل من استقلال، وادعاء السيادة الوطنية،وغياب المسئولية عن حماية الممتلكات العامة المسندة لنظام الحكم،،،؟!

 و من الأسئلة المنهجية الأخرى في هذا المقال، هو: لماذا لم تقدم معطيات البحث، مظاهر للصدام بين النظام السياسي المستأثر بالمنافع، و وتبعاته، كحرمان الأفراد، والجماعات، وبين المجتمع في المدن، والقرى،، ؟!

ومتى يحصل  التكامل بينهما، وإن كان  ممكنا، فأيهما أقدر على احتواء  الآخر شكلا،  ومضمونا ؟

.....

فمن الظواهر المنعكسة في السلوك لدى الفرد، و  الملفتة للرأي العام الاقليمي، والدولي من ظواهر الاجتماع الفضلى التي، تواضعت عليها الاجيال في مجتمعنا الموريتاني،  هو  السلوك السلمي، فالمجتمع مسالم، ولذلك فالأشخاص مسالمون، والعوانية استثناء، لا يعتد به،  والشخص الذي يعرف بتجاوز احدوده في القول، أو السلوك، يعرف  بالمطيش، ويكاد يصبح منبوذا، سواء، أكان في محيطه الأسري، أم العائلي القبلي، أم العشائري،، وهذا إدل على شيء، فهو، أن المجتمع  المسالم، وبالنتيجة، هو مجتمع حضاري، مهما كان في  فترة، يكاد البحث يشير، إلى أنه  في مرحلة انتقال  من استئنافه للبداوة التي فرضتها ظروف خارجية ، كالاحتلال البرتغالي، ثم الفرنسي منذ عدة قرون..

ولذلك فلم تكن بداوته، وما تخللها من مظاهر شغف العيش من الدوافع التي جعلت الفرد، يتنازل عن قيمه الحضارية المنعكسة  في السلوك اليومي،، إلى قيم طالما ظهرت في المجتمعات البدائية،  والبدوية التي لاتحكمها سلطات رادعة، كالسلب، والنهب، والترصد  لقطاع  الطرق في الصحراء،  أو بين المدن، والقرى، أو في الشوارع،، فالمزل الموريتاني الى غاية ثمانينيات الماضي، كان  مفتوح الأبواب طيلة الليل، سواء، أكان ذلك في القرى، أم في المدن،،

وقد تغيرت الظروف من الحسن، إلى السيئ في العلاقات الاجتماعية، وذلك من مظاهر الاختلالات في السلوك الانحرافي نتيجة الاحتكاك مع المجتمعات المجاورة حيث سلوك  الفرد غير محكوم بقيم المجتمع الموريتاني،  كما تأثر  السلوك الإداري، بانتظارك ظاهرة " الرشى" في كل قطاعات  نظام الحكم من الإدارة، إلى الصحة، والتعليم، والتعيين، والقضاء، فيشاع، أن بعض الوزراء لا يعاد تدويرهم منذ تعيينهم لسنوات عديدة، لأنهم تبرعوا بأموال لأحد الرؤساء أثناء ترشحه للرئاسة، فضمنوا مقعدهم الوزاري طيلة  نظام حكم الرئيس الفلاني، وهذا تفسير، قد يكون ظالما، وغير قابل للتعميم، لكنه، متداول في وسائل التواصل الاجتماعي في كل فترة تشهد تغييرا وزاريا...

وقبل سنوات قليلة، علق العلامة الراحل  " محمد سالم ولد عدود" - رحمه الله تعالى -  على  صفة المديح للشخص ، لكونه " أمينا"، لا يسرق في تسييره الإداري،،فقال:  كان يوصف " الكلب"  بالأمين، لأنه لا يغدر " الصائد" فيما يصطاد له، بينما تعطى  صفة " الأمانة" حاليا  للرجل الذي لايسرق فيما كلف به،  أو أؤتمن  عليه في الحقوق العامة، أو الخاصة...!

وحين  تأسس النظام السياسي سنة 1960م، لم يجد مجتمعا  متحاربا بين وحداته الاجتماعية، بل وجده  مسالما في حواضره،  وقراه،  يخلو من الصراعات القبلية، ويتنقل الفرد فيه من منطقة، إلى أخرى، ويستقر  كيفما شاء، في جنوبي البلاد، أو شماليها، أو شرقيها،  أو غربيها، أو وسطيها. 

وفي بداية سبعينيات القرن الماضي حين تأثرت مختلف مناطق البلاد بالجفاف في أواخر الستينات، فبدأت الهجرات الموسمية تارة، والدائمة في أكثر  الأحيان من القرى الى المدن، وارتفعت كثافة السكان في الحواضر، ولو بالتحضر العشوائي في أطراف المدن الكبرى، وهي هجرات، كأدت ان تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية،  لأنها جمعت في الحي الواحد بين أبناء الوطن القادمين من جهات مختلفة، وظهر الاحتكاك، وانعكس في نظام الأسرة عبر  الزيجات، وقانون العمل الحر، وفي حركة الاسواق، والتعليم في المدارس المختلطة، ولذلك بدأت العلاقات الاجتماعية القبلية تضعف رويدا رويدا مع الوقت،  ومع نهاية السبعينيات،  كادت أن تختفي العلاقات الموجهة سابقا لنظام الاسرة، و القبلية،  جراء منسوب الوعي السياسي على ألسنة المتعلمين، والسياسيين متنوي الوعي السياسي الحديث الذي انتشر بين صفوف الشبيبة التي نشرت الوعي المناهض للوعي القبلي، والعشائري السابقين، واثر ذلك على التراتبية  في هرم  المجتمع التقليدي العام ...

ولذلك  لازال يتداول بين العامة، والخاصة، أن النظام السياسي، هو الذي، يتمسك بالوعي القبلي، لتوظيفه من طرف الوزراء  ابناء، واحفاد شيوخ القبائل، وذلك خدمة لمصالحهم الآنية، والتمسك بوظائفهم، كنواب للقبائل، على غرار  تمسك الفرنسيين قبل قيام نظام الحكم السياسي،  بظاهرة العبودية، والتراتبية القبلية، وتوظيف شيوخ القبائل لجمع" العشر"، الضريبة، واستخراجها من افراد قبائل الشيوخ لصالح المحتل، وضد مصلحة مجتمعهم...!

إن السمات العامة للنظام السياسي الموريتاني، وسياسته الداخلية والخارجية معا،  لتؤكد أنه نظام موحد في تسييره، ورموزه الإداريين، ورؤيته السياسية إن في السياسة الداخلية، أو الخارجية، وذلك منذ نشأته:

١- تحت الخيمةالتي كان بعيد بها طيلة ثمانية عشرة سنة من حكم المختار ولد دداه  - رحمه الله - 

٢- كما في مقراته الأولية في شكل عنابر صغيرة،  كانت مكاتب للوزارات، 

٣- إلى أصبح الرؤساء  يخلدون في طمأنينة وراحة بال في قصر الرئاسة الذي يتنقلون بين مكاتبهم، وغرفهم السكنية داخله،،،

ولعل المشتركات الغالبة بين الرؤساء  السابقين -  وربما اللاحقين -  لم يغيروا في علاقتهم مع المحتل، وكما لم يدخلوا تعديلات مطلوبة اجتماعيا على السياسة العامة،  وهذه السياسة  تواضع عليها جميع الرؤساء، ويتوقع ، أن يتأثر بها الرؤساء اللاحقون في التسيير، فلا يغيروا من أمر الحكم شيئا.

ومهما يكن فنظام الحكم الموريتاني كأي نظام سياسي، يستند إلى مؤسسات الأمن العام،كالشرطة، والدرك، والجيش، والبوليس السياسي، ومعنى ذلك أنه  يمارس العنف حين تدعوه الضرورة لذلك، سواء مع الأفراد المخالفين ابتداء من المخالفات في قانون المرور، أو ارتكاب الجناة المجرمين، او المعارضين السياسيين، ومن جننتهم المدونين في وسائل التواصل الاجتماعي الذي يسترزون من المؤسسات الإلكترونية... وفي الوقت الحالي انخفض  اقصاء المعارضين السياسيين، وإن كانت منظومة الاحزاب القبلية ، هي الطيف السياسي البديل للحراك السياسي الوطني ، والقومي التي تستعصي بقناعاتها على تفريغها من مضمون الحراك السياسي الذي يوجه التغير الاجتماعي من خلال نشر الوعي بالرؤى التغييرية، و تأهيل المواطن للمطالبة بحقوقه المدنية، والسياسية...

فنظام الحكم الموريتاني  منذ نشأته، يمارس العنف، كأي نظام سياسي، وذلك  حين تقتضيه الضرورة لذلك، واحيانا، يدفعه ضيق افق الوعي السياسي، كما حصل في فترة حكم محمد خونا ولد هيدالة سنة 1984م مع القوى القومية الناصرية التي استشهد تحت منها القادة، ونات العشرات جراء التعذيب ،، وتلاه في الدكتاتورية، والوعي السلطوي الاجرامي، معاوية ولد سيدي احمد الطايع في تسريح السياسيين، لرفضهم " التطبيع" مع الكيان الصهيوني،  كما سرح العسكريين بالمئات، لأن القوى الموالية لفرنسا، ترى في كل التيارات القومية، تهديدا لها ولمصالح فرنسا،، 

وكانت الأولوية لتصفية التيارات الوطنية، والقومية العربية  من الثوابت التي تتقدم  على الحفاظ على  النظام الجمهوري، والمحافظة على كل من الوحدتين الاجتماعية، والجغرافية.

أما عن علاقة النظام السياسي بالمجتمع، وقدرته على احداث تغييري في الحاضر، او المستقبل المنظور، فينظر اليها من زاوية الابعاد السياسة، وفشلها في واحدة من اهم ركائز التغيير ، كالبنية التعليمية، لأن مظاهر العجز عن  وضع قواعد للتعليم الوطني باعتباره، المناط به محددات الهوية الوطنية، وتأهيل الفرد، وتحديث أنظمة المجتمع عامة،  ووضع حد للفجوة، بل  القطيعة القائمة بين نظام الأسرة التقليدي،  ونظام التعليم المفرغ من مضمونه التحديثي...

وقد يقال في هذا الصدد، إن نظام الحكم خلال خمسة وستين عاما، ليس رافضا  عن قناعة  لقيم التحديث، ونواتجه في مأسسة التعليم الحديث، وتعريبه، وإنما لمحدودية المجال  المسموح  به، من طرف الشركاء الدوليين الذين وضعوا سنة 1999م، أسس هذا المستوى من  التعليم الاستلابي، باختلالاته المعيقة ، لكن أنظمة الحكم، كانت مكرهة على ابقائه  بمعزل عن الاهتمام الوطني  بتشكيل الهوية الوطنية في وعي الاجيال،  وترسيم اللغة العربية الأم لابناء المجتمع ، كما فرضها الدستور في مساطره على انها اللغة الاولى في الإدارة، والتعليم، لكنهما  اقصاياها معا، فحرم  النظام السياسي من" التطعيم" له، كمولود ب" المتبني" ، فكانت النتيجة، أنه اصبح معرضا للجوائح المزمنة في مختلف مجالاته..!

ولعل هذه السياسة الهجينة،  أكدت أن نظام الحكم، يراوح بنسب متفاوتة تحت الوصاية المؤقتة،  حتى ، وهو ينقل  عبر الانتخابات الرئاسية من وكيل، رئيس، إلى آخر، وفقا  لما هو مسموح به لكل واحد، وذلك ليس بالأمر الجديد الذي يقدح في مسيري الحكم  في الفترة الحالية، وإنما نتحدث في إطار  الرصد لمعطيات تم التوفق عليها، كما لو أنها "عرف"، يعتبر من مصادر القانون الفرنسي في بلادنا، كما في القانون الإنجليزي، وتأسس عليه  نظام حكم  الانتخابات منذ  الأولى منها، و المعروفة  بانتخابات : " نعم، ولا "  التي جاءت بأول رئيس، وأول نظام سياسي بالتزامن.

وجوابا على السؤال اعلاه عن امكان تحديث النظام السياسي للمجتمع، فكيف له بذلك؟

 وقد  عجز عن توظيف  سياسته في التعليم، لنشر التحديث  الذي يعتمد سياسة الإصلاح، والترقيع في التغيير "  الأفقي" البطيء 

وكان الوسيط المعتمد، هو  التعليم، وأحداث تاثيره في المجتمع، لضمان المستقبل، وقد عجز  التعليم في بلادنا أن يكون وسيلة لضمان العمل لفئات المتعلمين الذين، تعلموا، ولم يستطع النظام الاستفادة من مؤهلات  عشرات الآلاف  منهم، و قد انفق على تعليمها اموالا طائلة دون ان يستفيد من مؤهلات اصحابها، لأن ترسيمهم في الوظيفة العمومية، تحكمت فيه المؤسسات المالية " لشركاء النظام الدوليين"  طوال الفترات السابقة لنظام الحكم في  بلادنا،، 

فهل ستتغير السياسة العامة في في مجتمعنا  في هذا القرن - كما يسأل انصاف المتعلمين بيأس قاتل - ؟

وهو سؤال يصعب  التنبؤ بالإجابة عليه سيما،  أننا من المتفائلين بمستقبل افضل لأجيال مجتمعنا الذي يستحق أكثر، و حباه الله بثروات باطن الأرض، وتحت المياه الإقليمية، وهي أكثر من كافية لتساعد على تحقيق الأفضل إن وجد نظام حكم قادر على فرض سيادته على الثروات الوطنية...

ولكن قبيل  مجيء  نظام الحكم  بسياسة التمكين، يظهر  أن النظام السياسي المتدثر بغطاء " التبني" على مسافة واحدة بين  التحديث، و المجتمع القبلي معا على عكس ما قامت به النظم السياسية في الأنظمة الافريقية، والعربية  في وطننا العربي..

فهل لأنها لم تتدثر بغطاء " التبني" منذ الميلاد...؟!

وعلى الرغم من التفاعل بين النظام السياسي، والمجتمع القبلي  القروسطوي الذي  يمر  الآن بأطوار تكاد تكون  مثل كثبان الرمل التي تحيط بكل قرية، ومدينة، فتعمي الأنظار، حتى يرجع الفرد لمنزله، ويغلق الباب دونها، كذلك الشأن لطور "المجتمع الاستهلاكي" الذي لم يشكل أداة للتحديث، كما كان متوقع في " العولمة" النهابة،، والمعطيات نفسها، تنطبق على قطاع الخدمات، والقطاع الزراعي نظرا لغياب التمنية الريفية، وهزالة مؤسسات الاقتصاد، وتردي القطاعات الأخرى، كالصحة، والتعليم، والتخطيط الحضري، وغياب البنى التحية في المدن، والطرق  داخلها، وخارجها، وانعدام النقل العام.. 

  وفي كل الأحوال، فالمعطيات  السابقة، منظورة في الواجهات، ولا يمكن اخفاؤها، أو تمويهها بمظاهر تنقضها، و لعلها تقدم توصيفا ، تشخيصا حيا لظروف كل  من المجتمعين: القروي، والحضري، والمشتركات بينهما اجمالا، تكمن في غياب أواليات التحديث، و انكشاف النظام السياسي، والوكلاء من الرؤساء السابقين العشرة، وانزواء كل من المجتمع العام في ركن، كالمختبئ عن الأنظار ، أو الضال عن الطريق العام، وكذلك حال مؤسسات النظام السياسي في حدودها التي لم تستطع واحدة منها أن تشق طريقها لأحداث اختراق  يؤدي للتغيير الاجتماعي ، بما يؤثر في المجتمع، ويأذن بالقول التبشيري عن " الدمج"،  أو" الأحتواء" للمجتمع التقليدي من طرف إحدى مؤسسات نظام الحكم..!

وللسائل، المستنكر لعجز النظام السياسي منذ نشأته في ستينيات القرن الماضي عن تحديث المجتمع، إلى الآن،  أن يطرح  على نفسه السؤال التالي، ولن يجد له ، إلا إجابة  تستنطق الواقع سواء على السنة افراد المجتمع، ونخبه المتعلمة،، فالسؤال ليس  معبرا عن وعي الناس،  بل ظاهر متكررة ليس لها إلا الجواب الاحادي، ونسوق السؤال :

ألا يطرح بالبداهة السؤال عن معرفة هوية  الفرد  ليس باسمه في مجتمعنا، بل بقبيلته، وكأنه ضيف في قرية نائية.. "  الرئيس المترشح للرئاسة في الانتخابات المعلن عنها، ما هي قبيلته حتى نقبل على ترشيحه"؟

فإذا كان المترشح للرئاسة بلا برنامج سياسي، وغير معروف في النخبة السياسية، وليس رئيس حزب سياسي، فالقبيلة، ومكانته الاجتماعية، هي مؤهلاته  للترشح، كما علاقته بفرنسا الراعية لنظام الحكم" المتبني"، وذلك في كل فترة انتقال للحكم من  رئيس الى آخر..

 وكذلك يتجدد طرح ذات  السؤال عن الوزير عند تعيينه، و المدير العام للوزارة، ورئيس الجيش، والحرس الوطني، ورئيس  وحدة الدرك في الميناء،  وشرطة  الحدود، وفي المطار، ومدير المدرسة، والمعلم، واستاذ الجامعة، والطبيب، والصيدلاني، والممرضات في المستشفيات الحكومية...!

فهل يستطيع السائل  الكريم، أن ينكر، تغلب المجتمع على النظام السياسي، وافراده  الأعتباريين، والمؤسسات الحكومية العامة...؟

وهنا نعرف معا، أيهما احتوى الآخر: المجتمع للنظام السياسي، وبقيا مركونين في زاوية من كهف وجودنا الأجتماعي، لا بوعينا السياسي، وثقافتنا المعاصرة، استطعنا ايقاظهما للخروج من ظلال التخلف السياسي..!

مقال مشترك بين الكاتبين:

د. إشيب أباتي 

أ. محمد الحسن أحمد خيار

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122