لا تنهار الدول فجأة، ولا تسقط المجتمعات صدفة؛ بل يبدأ الانحدار حين يتخلى العقل الجمعي عن وظيفته النقدية، ويستبدل التفكير بالخرافة، والوعي بالخوف، والمواطنة بالطاعة العمياء. فعندما يغيب العقل، وتصادر الإرادة، وتستبدل القيم الأخلاقية بالولاءات الضيقة، يصبح التدهور السياسي والاجتماعي نتيجة حتمية لا حادثا طارئا.
إن المجتمعات التي تبيع عقلها للخرافة وترهن ضميرها للخوف — بتعبير مجازي — تدخل في دورة تاريخية من التراجع الحضاري، حيث يعاد إنتاج الاستبداد، وتتآكل العدالة، وتحتفى التفاهة على حساب الكفاءة، فتتصدع أسس الدولة من الداخل قبل أن تسقط من الخارج. ومن هذا المنطلق، سنحاول تحليل العلاقة بين تعطيل العقل النقدي، وانتشار الخرافة السياسية والاجتماعية، وصعود الرداءة القيادية، وصولا إلى تآكل الدولة وانحلال مؤسساتها.
لا تفهم الخرافة هنا بوصفها معتقدات شعبية بسيطة فحسب، بل باعتبارها نمطا معرفيا يقصي التفكير العلمي ويستبدله بتفسيرات غيبية أو تبريرية. فعندما تصبح القرارات السياسية والاجتماعية محكومة بالشائعات، والأساطير، والخطابات العاطفية، يتراجع دور البرهان والعقلانية.
في هذه الحالة
تختزل المشكلات البنيوية في تفسيرات قدرية
يفسر الفشل بالمؤامرة بدل سوء الإدارة
يقدم الولاء بديلا عن الكفاءة
وبذلك يفقد المجتمع قدرته على تشخيص أزماته الحقيقية، فيتعايش مع الخلل بدل معالجته.
فيمثل الخوف أحد أكثر أدوات التحكم السياسي فاعلية. إذ حين يخشى الأفراد العقاب أو النبذ أو فقدان الامتيازات، يتخلون تدريجيا عن حقهم في النقد والمساءلة.
وتتجلى آثار ذلك في
الصمت عن الفساد
تجنب المشاركة السياسية
القبول بالظلم بوصفه قدرا
انكماش المجال العام
وعند هذه النقطة، يتحول المجتمع من فاعل سياسي إلى كتلة صامتة، ويغدو الاستبداد بنية مستقرة لا استثناء مؤقتا. فالدولة التي لا يساءل فيها المسؤول، ولا يحاسب فيها الفاسد، تفقد تدريجيا شرعيتها الأخلاقية.
ومن أبرز مؤشرات الانحدار الاجتماعي أن تتقدم الشخصيات الهامشية إلى مواقع القرار، بينما يقصى أصحاب الكفاءة والخبرة. إنها لحظة يحتفى فيها بالمظاهر بدل الجوهر، وبالخطابة بدل الإنجاز، وبالولاء بدل النزاهة.
حينها
تتدهور الإدارة العامة
تضعف الخدمات الأساسية
تنتشر المحسوبية والزبونية
تتآكل الثقة بين المواطن والدولة
ويمكن وصف هذه المرحلة بأنها تفكك رمزي للأخلاق العامة؛ حيث تشيد العروش فوق ركام العدالة، ويكافأ الانتهازي ويهمش الصالح.
إن غياب العقل النقدي وسيادة الخوف والخرافة لا يؤديان فقط إلى أزمة أخلاقية، بل إلى نتائج بنيوية خطيرة تمس كيان الدولة ذاته، من أبرزها
فقدان الشرعية السياسية
اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع
تفشي الفساد المؤسسي
هجرة الكفاءات
ضعف التنمية الاقتصادية
احتمالات الانفجار الاجتماعي أو التفكك الداخلي
وبذلك يصبح زوال الدولة أو اضطرابها نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل الداخلي، لا مجرد حدث طارئ.
فلا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون إعادة الاعتبار للعقل النقدي والضمير الأخلاقي. ويتطلب ذلك
تعزيز التعليم النوعي القائم على التفكير لا التلقين
نشر ثقافة المساءلة والمحاسبة
حماية حرية التعبير
دعم مؤسسات العدالة المستقلة
ترسيخ المواطنة بدل الولاءات الضيقة
الفصل بين المعرفة والخرافة في إدارة الشأن العام
فالدول لا تبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات؛ ولا تحميها العواطف، بل القوانين.
إن التاريخ الإنساني يؤكد أن سقوط المجتمعات يبدأ لحظة صمت العقل وارتفاع صوت التافه، لحظة تستبدل العدالة بالزينة الشكلية، والحقيقة بالدعاية، والوعي بالخوف. وعندما يحدث ذلك، لا يعود السؤال هل ستتراجع الدولة؟ بل متى؟
فمصير الأمم يتحدد بقدرتها على حماية عقلها الجمعي، وصيانة ضميرها الأخلاقي، ومقاومة الخرافة والاستبداد. لأن المجتمع الذي يفقد عقله، يفقد مستقبله؛ والذي يرهن ضميره للخوف، يرهن وجوده كله للزوال.
قاسم صالح