مشْرَعْ لِحْجَـارْ اغْلَـبْـنـــِي صَـوْنْ @ دَمْعِي عَـنْـدُو مِنْ هَـــوْنْ ؤُدُونْ
ؤُعَنْـدْ الدَّخْلَه دَمْعِـــي مَگْــرُونْ @ دَلَّالِــــي رَخْـــــوُو مَـــــا صَــــابُـــو
غَـيْـرْ امْـنَـادِمْ كِـيفِـــي مَـمْكُـونْ @ يِــــسَّــــدَّرْ فِـادْيَــــارْ أَحْــــبَـــــــابُــو
إِيـــلَ مَـــا جَـابُـــــو مِـــنُّــو كُـــونْ @ الــدَّمْـعَـه، مَــعْــلُــومْ احْــجَــــابُـو
وِالـنَّـخْـلَه وِامْـشَــيْــرِعْ لَـحـْجَـــارْ @ الْلِّي مِــنْ دَمْــعِــي مَـا جَـــــابُــو
بِـيـهْ ؤُگِــفْـتْ الْـيَـوْمْ اعْــــلَ دَارْ @ چِـــتِّـــيـــــمْ ؤُرَاحِــــتْ بَاعْـگَـــابُــــو
وقفة على الديار تستثير الشاعر فتتوزعه الأمكنة؛ لا يكاد يبكي دارا حتى تستوقفه أخرى، فيذرف الدمع مدرارا، ولا يكاد يصحو من شجن حتى يحل محله شجن أشد وطأة وأقوى أثرا.
حملت طلعة محمد باب زمانا من الأحداث، واستدعت فيضا من الذكريات، وأهاجت سيلا من الدموع، والشاعر البدوي يظل دوما رهين الطلول الدوارس؛ ما إن يمر بها حتى تفتح له سجلاتها الثرية، فيرخي العنان للنفس لتستعيد الذكريات وتسترجع اللحظات بكل تفاصيلها.
إنها ذاته التي تندثر رويدا رويدا وتتلاشى أمام ناظريه فلا يملك إلا أن يحزن ويعتبر؛ كيف لا؟ والمكان جزء منه، والزمان عمره المُولِّي والشاهد العدل المرابع التي يقف عليها: طلول تحمل جيناته، وتراب يختزن بصماته، وهواء مرطب بنغماته وآهاته وتقاسيم حياته.
هي معاينة لدنيا من الصمت تختزن عمرا من الذكريات؛ وليست رسومها إلا يوميات رُقِـمَ عليها شغبه مع الأتراب، وزهوه مع الخلان، والنظرة الأولى التي جعلت قلبه يخفق، ولغته تتجسد أخْيِلَةً، ونَهَارَاتِ الْحِلِّ وَالتَّـرْحَالِ، وليالي السّمَـرِ في الفضاء الرحبِ، وهطول الغيثِ على الأرض المعطاءِ، والقمر المُدَاعِبِ للرَّوَابِي، وأهازيج الرُّعاةِ بعد يومٍ منْ سَقْيِ العطاشِ وَذَوْدِ الْمَوَاشِي.
دِيَّارٌ لا يصده عن ذكرها عاذل، ولا يسمع فيها مقالةَ قائل ولو كان أبا نواس الذي سخر من بكاء الديار وتتبعِ الآثار، ونزع إلى ارتياد الحانات واصطياد المغنيات:
عــاجَ الشَّقِـيُّ عَـلَى رَبْــعٍ يُـسَـــائِـلُــهُ ** وَعُجْـتُ أسْأَلُ عــنْ خمَّـارَةِ الْـبَلَـدِ
يَبْكِي عَلَى طَلَلِ الْمَاضِـينَ مِنْ أسد** لَا دَرَّ دَرُّكَ قُــلْ لِي مَنْ بَنُو أَسَـدِ؟
منذ البدء يعلن الشاعر ارتباطه الوثيق بالمكان، يتتبع الديار تتبع الوَلِهِ، ويجود بدمعه الهتون موزعا له بينها ليقضي دينا معلوما؛ وفاء بالعهد وحفاظا على الود. كانت الوقفة الأولى ب"امشيرع لحجار" حيث انْهلَّ الدمع، وتَلَتْهُ "الدخله" حيث تدفق وانساب أكثر، وهاجت الذكرى واشتد الوجد:
مَشْرَعْ لِحْجَـارْ اغْلَـبْـنِي صَــــوْنْ @ دَمْعِي عَنْدُو مِنْ هُونْ ؤُدُونْ
ؤُعَنْـدْ الدَّخْـلَه دَمْعِي مَگْــــرُونْ @ دَلَّالِــي رَخْــوُو مَـــا صَــــابُــــــــو
ويقف ليعلل الأمر ويلتمس العذر مما ألم به في مسلمة عاطفية مقنعة وهو المحب الذي يعاين المعاهد، فيكون الاعتبار والبكاء أقل ما يفيها حقها:
غَـيْــرْ امْــنَـادِمْ كِـيـفِي مَمْكُونْ @ يِـــسَّــــدَّرْ فِـادْيَـــارْ أَحْــــبَــابُـــــو
إِيــــلَ مَــا جَــابُـو مِـــنُّــو كُـــونْ @ الـدَّمْعَـه، مَـعْـــلُــومْ احْــجَـابُـو
يأتي التعليل المقنع معبرا لمزيد من الحديث عن الديار والتغني بالأوكار؛ فلم يكن الشجن خاصا بالمكانين السابقين (امشيرع لحجار، والدخله) وإنما يقتسمه معهما (چِــتِّـيــمْ)، ولعله أكثرها أثَـرَةً لدى الشاعر، حيث جاء ختاما للوقوف بالمرابع، وكما يقول المثل الحساني: (التَّالي هو الغَالي)، كما أنه استوفى في بكائه له كل ما تبقى من الدمع:
وِالـنَّـخْلَه وِامْـشَــيْـــرِعْ لِـحْـجَـارْ @ إِللِّي مِـنْ دَمْـعِي مَـا جَــابُـو
بِيـهْ أُوگِـفْــتْ الْـيَـوْمْ اعْـلَ دَارْ @ چِــتِّــيـــمْ، ؤُرَاحِـتْ بَاعْـگَـابُـو
فالمكان "جِـتِّـيــمْ" ذو علاقة تليدة بوجدان الشاعر، إنه موصول بماضيه؛ فقد وقف به قبله أبوه امحمد ولد أحمد يوره وتغنى به، وَرَوَّى بالدمع سبعة أمكنة من أجله أصابتها عدوى هواه، يقول امحمد ولد أحمد يوره:
هَـــذْرَايِــتْ بِالـدَّمْـعَـه لَــــرْمَــــاگْ @ فَــاتِــتْ غَــلَّاتْ اعْــلَ لَـخْــلَاگْ
مَـسْـيَـلْ چِـتِّــيــمْ امْنَيْـنْ اظْـيَـاگْ @ مِـنْ گِـبْـلَه وِانْكَـفْـحُـو شِلْـخُـو
وِالْـــخِــــرَّيْـــــرَاتْ ؤُبُـــو مِـــــزْرَاگْ @ بِالْــبَـرْكَـه فِادْلِـيــــلي رَسْــخُـو
وِابْــجُـوكْ ؤُلِمْـلَـيْـگَـه وِالــصَّــاگْـ @ وِالــرَّكْــنَـه وِانْــخَــلْ وِلْ الْـخُـو
مَــفْــــرُوظْ اعْـلِـيـــهِـمْ يَالْــخَـلَّاگْ @ إِفْ مَــرْگِـــتْ هَـــاذَ يِـنْـتَـبْــخُو
لقد وفى محمد باب الأمكنة حقها وقوفا، وأترعها بكاء؛ فوردت مفردة "الدمع" أربع مرات، تأكيدا على حزن الشاعر وصدق أحاسيسه تجاه الربوع، وأحسن في تعليل وقفاته الطللية بالمثل المقرر: "مَعْلُومْ احْجَابُو" وآثر الأسلوب السردي الشيق وسيلة لنقل تجربته الوجدانية.