رسالة إلى قادة المجتمع المدني/ عبد الرحمن سي

2026-06-15 01:14:52

رسالة إلى قادة المجتمع المدني

بقلم: عبد الرحمن سي

رئيس جمعية يدًا بيد من أجل التنمية

السادة رؤساء الجمعيات،

السيدات والسادة الفاعلون في المجتمع المدني،

تحية وعي ومسؤولية،

يقول الفيلسوف أرسطو: “الإنسان كائن مدني بطبعه”، وهذه العبارة ليست مجرد تأمل نظري، بل هي قاعدة تؤسس لفهم عميق لدورنا؛ فنحن لسنا مجرد منظمات تعمل في الهامش، بل نحن في صميم البناء المجتمعي، حيث تتشكل القيم، وتُصاغ الحلول، وتُبنى جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.

غير أن الواقع يفرض علينا مواجهة صريحة مع أنفسنا. إن أزمة المجتمع المدني اليوم ليست أزمة موارد فقط، بل هي—في جوهرها—أزمة رؤية، وأزمة منهج. فكما قال المفكر ابن خلدون: “الفساد إذا دخل في الأمور فسد نظامها”، فإن غياب الحوكمة الرشيدة، وضعف التخطيط الاستراتيجي، وتشتت المبادرات، كلها عوامل تُفرغ العمل المدني من أثره الحقيقي.

إن التحليل العقلاني يفرض علينا الاعتراف بثلاث حقائق أساسية:

أولًا: لا تنمية بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا رؤية واضحة.

ثانيًا: العمل الفردي مهما كان صادقًا، يظل محدود الأثر دون تكامل جماعي.

ثالثًا: الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي عمل مدني، وإذا فقدت، فقدنا كل شيء.

ومن هنا، فإن المرحلة القادمة تتطلب انتقالًا نوعيًا من “جمعيات النشاط” إلى “مؤسسات التأثير”. وهذا لن يتحقق إلا عبر استراتيجية واضحة المعالم تقوم على المحاور التالية:

1. الحوكمة والشفافية:

ترسيخ مبادئ النزاهة والمساءلة، لأن الشرعية الأخلاقية هي أساس الشرعية المجتمعية.

2. بناء القدرات:

الاستثمار في الإنسان داخل الجمعية، فكما قال الفيلسوف فرانسيس بيكون: “المعرفة قوة”، ولا قوة بلا تأهيل وتدريب مستمر.

3. التكامل والتشبيك:

الانتقال من منطق التنافس إلى منطق التعاون، لأن القضايا المجتمعية أكبر من أن تعالجها جهة واحدة.

4. التأثير في السياسات:

التحول من دور المنفذ إلى دور الشريك، عبر تقديم مقترحات عملية مبنية على معطيات واقعية.

5. الاستدامة:

تنويع مصادر التمويل وبناء مشاريع ذاتية، لضمان استقلال القرار واستمرارية العمل.

يقول المهاتما غاندي: “كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم”، وهذه ليست دعوة مثالية، بل استراتيجية عمل تبدأ من إصلاح الذات المؤسسية قبل مطالبة الآخرين بالتغيير.

إن المجتمع المدني الذي لا يراجع نفسه، محكوم عليه بأن يبقى في دائرة التكرار، أما الذي يملك شجاعة النقد الذاتي، فهو القادر على صناعة التحول.

ختامًا، أدعوكم جميعًا إلى إعادة تعريف أدوارنا، ليس كجمعيات تبحث عن الدعم، بل كقوى مجتمعية تصنع الأثر. فلننتقل من العمل الموسمي إلى العمل المؤسسي، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات، ومن التشتت إلى الوحدة الواعية.

إن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع… ولن نصنعه إلا معًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الرحمن سي

رئيس جمعية يدًا بيد من أجل التنمية

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122