ورقة حول ندوة منتديات الوعي القومي المعدة للحوار الوطني/ د. إشيب أباتي

2026-02-26 11:44:24

د. إشيب ولد أباتي/  

                     حول ورقة الندوة  لمنتديات الوعي القومي العربي، التي أعدت للحوار الوطني المطلوب الذي ينوي النظام السياسي الموريتاني  إقامته في قادم الأيام،،، 

فما الذي تضمنته " ورقة" الندوة للقوميين الوحدويين  من  الأفكار المتنورة في وعي النخبة السياسية  الوطنية...؟

وقبل الإجابة على السؤال أشير إلى أني سأقدم  بمقال للورقة، ثم ارفقها بالمقال..

       و أريد الإشارة  إلى أني في مقال سابق عرضت لنشأة  المقاومة الوطنية في أواخر القرن التاسع عشر، ضد المحتل الفرنسي،، بينما حصل تحول في والوعي العام  منذ منتصف القرن  العشرين، حيث اتسعت قاعدة التعليم، وانتشر الوعي السياسي، وقادت الاحزاب السياسية  يومئذ مشروع الاستقلال الوطني بما له، وما عليه،، فيما عرضناه في المقال السابق.

ولعل الأهم  ليس الحكم على، أو لصالح النخبة السياسية ، بل التطرق بموضوعية لدورها الوظيفي،  وتأثيره على  مسيرة النظام السياسي،  وعدم تطور المجتمع، وأتيح الفرصة للقارئ  في الوطن العربي لمعرفة المسار التاريخي للنخبة السياسية الموريتانية التي اختارت الدور الوظيفي في التسيير السياسي، والإداري، ولتبعية النظام لقوى الاحتلال السابق، ولا تجنيا على النظام الذي يقر بأن الرؤساء السابقين  اختاروا  التبعية السياسية، ونهب ثروات البلاد، وتقاسمها مع الشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات النقدية الدولية،، 

ولم يطرح  رئيس سابق  رؤية للتغيير السياسي، والثقافي، والاقتصادي، والاجتماعي، ولذلك  اقتصر النظام على سياسة الترقيع، والتبرير، وحتى المداهنة، وخيانة الضمير،  وليس ذلك جراء وعي استلابي، بل لاتباع سياسة الشلل السياسية، والوعي الانتهازي فضلا عن خيانة الوطن، واستدامة الوعي القبلي الذي اقصى مفاهيم حديثة مثل الحقوق العامة، وحقوق المواطنة..

   بينما يحاول النظام السياسي الحالي،  أن يشكل طاقما من الحكماء  للحوار السياسي المرتقب، باعتباره رافعة لإنقاذ الوطن، والمواطن، علاوة  استحقاق وعد به الرئيس في تدشين مشروع النظام السياسي على الرغم من انه غارق في الأزمات،  وللخروج من نفقها المظلم ومن الأزمات  البنيوية للنظام في جبهتيه:  السياسية، والادارية اللتين تواضعتا على الانقياد الاعمى لرموز النظام التسويفيين، بسياسة تأجيل الحلول بالهروب إلى الأمام، ليستكمل كل رمز سياسي فتراته الانتخابية، ويترك ارثه في تركيم المشاكل الاجتماعية والسياسية،، وما صاحب ذلك من خيانة  النخبة السياسية الساكتة على الظلم الاجتماعي، وتردي الأوضاع العامة في مختلف المجالات..!

إن الأفكار التي وردت في ورقة  الندوة التي أعدتها قوى وطنية قومية  تتصدر المشهد  في المراكز الثقافية الوطنية، والقومية العروبيين الناصريين، والبعثيين، او وظفت  في صالح الوطن، والمجتمع، يمكن أن تشكل بوصلة لسفينة النظام السياسي، من جهتي إنقاذه من نفسه، ولترسو سفينته على شراع آمن، ولن يكون ذلك، إلا بتأمين الحياة الكريمة للمواطن، والدفاع عن الثوابت الوطنية الثلاثة: الوحدة الاجتماعية، والوحدة الجغرافية، والوحدة السياسية التي أسست للنظام الجمهوري منذ منتصف القرن الماضي ..

إن ورقة الندوة الفكرية لقادة الوطنيين ، والقوميبن العروبيين، هي مثيرة للإعجاب، والاحترام، والتقدير، و السؤال الذي يتعين الإجابة عليه من طرف النظام السياسي، ونخبته الوظيفية المساندة له، وهما الرأس المركب للنظام الذي طالما أصم  آذانه، وأغمض عيونه عن مآسي الوطن، والمواطن، الأمر الذي جعل الثنائي جزءا من المشكل،  ومن مظاهر ذلك  في التجارب السياسية، تفعيلهما للاحزاب القبلية، وتوظيف الاخيرة كواجهة للدموقراطية المزيفة  للنظام الشمولي ذي الحزب الواحد الوظيفي، بدلا من النظام السياسي  التعددي، وتبعية السلطتين التشريعية، والقضايا للسلطة التنفيذية ..!!

و بدلا من  أن يشارك  الثنائي في إنقاذ سفينة النظام من الغرق الحتمي، إذا بهما، كما يقال في التراث الماثور "بقيت حليمة على عادتها القديمة"،، !

ولعل وعي الوطنيين، القوميين العروبيين، في ورقة الندوة، شكل  تيارا دافعا للتغيير الاجتماعي الذي سيغير  تيار  الطقس السياسي ، بل المناخ السياسي السديمي بعوامله البيئية  العصية على التشكل من جديد ، نظرا للتحالف المشبوه مع التيارين: المدعومين من الامبريالية الفرنسية، واتباعها من العنصريين العرقيين - " ذنب الأفعي"، كما وصفوا سلبقا في السنغال، وغيرها -  والمتحالفين مع ذنب  الحية الرقطاء التي لا تموت بل تجدد جلدها  بالفسوخ من:

١-  الملونين. ، 

٢ - وفريق الاسناد من أوباش الوعي" المحنط" لرموز  الماركسيين الوظيفيين في الدولة العميقة....!

وكما يقال:  إن (( المفاجأة تصنع الخبر، والخبر يصنع الجدة))،  - على رأي ' ريجيس دوبريه'   في نقد الفكر السياسي - وهذا الخبر، وجدته،  يمكن  رؤيتهما  في استنطاقنا للأفكار الواردة  في ورقة الندوة التي قدمها القائمون الوحدويون في مراكز الوعي الثقافي، والسياسي في هذه المبادرة الشجاعة التي عبر فيها عن رؤاهم.. 

وذلك من اجل تفعيل الدور المنتظر  للحراك السياسي الوطني، و  للنخبة  السياسية الواعية في بلادنا،،

ومن الواضح أن الكتابة عن النخبة الوظيفية في مقالي الأول، كانت بمثابة، الرمي بحجرة في بركة الوعي الراكد، وسرعان ما جاءت الاستجابة الرائعة في هذه المبادرة للتعبير عن الصحو، وتلقي رذاذ الوعي السياسي، وهذا من أدوار  الكلمة الواعية في توصيل الرسالة،،علما أنها لن تصل جميع فئات النخبة السياسية، سيما التي آثرت مصالحها الذاتية، بوسائلها  السيئة في الخيانة للوطن،  وتشبثهها  بالوعيين: " العرقي"، و"  الفئوي، واللوني" في مجتمع قبلي تراتبي، لا يمكن بقاؤه  متماسكا، وقابلا  للتفاعل  محافظا على وحدته في القرن والعشرين،،،  ولا إعادة بنائه، الا بالتحولات السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية التي يحاول النظم السياسية السابقة، أن تتفاداها بسياسة التبعية، وفساد الذمم، وفي صحوة من النظام القائم ، أعلن عن  " الحوار" المنتظر الذي  انتقى له  رموز " الفرانكفونية" الموريتانية، وحلفائها من المنادين بسياسة المحاصصة السياسية على اساس العرق الواحد، واللون الواحد لفئة اجتماعية دون غيرها، ليستفيد من ذلك حصرا، قادة حركتي " افلام"، و "إيرا"، بما تشكلان من خطر داهم على وحدة المجتمع،  ونظامه السياسي، الأمر الذي يشير إلى ان الحوار الموعود، سيكون وسيلة لفرض هذه السياسة التقسيمية، لو استجاب النظام لطروحات  طاقم الحوار،  الأمر الذي يؤكد وعيه التام، واصراره  على تدشين  سياسة التفكيك ، والتشظي، للوحدة الاجتماعية، والسياسية، الممهدتين  للحرب الأهلية، والانقسامات السياسية التي تبحث عنها الدوائر الامبريالية، للأستحواذ على ثروات البلاد من الطاقة المستكشفة في مياه موريتانيا  الإقليمية  التي بدأ منها  تصدير  الغاز  إلى الانظمة الامبريالية في القارة العجوز  التي تشحذ انظمتها الاجرامية،  السكاكين لتمزيق الوحدة السياسية في موريتانيا  على غرار ما حصل - ويحصل -   في ليبيا،  والسودان، والصومال عن طريق  استثارة الوعي التجزيئي، لرموز متنطعة تتخفى وراء المطالبة بالحقوق لصالح الإثنية، للأقلية الافريقية في موريتانيا،  ولرموز سياسية براغماتية،  أنابت  بذرائعية عن إحدى  الفئات لاجتماعية المحرومة في مجتمعنا  الذي  لازال يعاني من  مخلفات الجهل، والتخلف الثقافي الاجتماعي،  والاقتصادي،،

والجدير بالذكر أن الوعي الاستلابي ، هو الطافي على السطح، وحامله  القبلي، والإثني، ولرموز الفئات الملونة،،، هذا الوعي هو نتيجة،

أما السبب الكافي،  فهو النظام السياسي القائم منذ  ستة وستين سنة، وهو عاجز عن تقديم ، حتى وصفات مهدئة لمعاناة المجتمع، لذلك تفاقمت اوضاعه منذ اربعين سنة، حيث شهد احداثا درامية حين  قامت فرنسا بانقلابها السياسي الصادم للوعي الوطني  في الثمانينات - سنة ١٩٨٤م- ، واسقطت نظام الاستبداد، والجهوية المتخلف، وأحلت محله نظام المطبع مع الكيان الصهيوني، عميل فرنسا، معاوية ولد سيدي احمد الطايع التابع لفرنسا، والذنب للوبي الصهيوني في فرنسا، و امريكا، وتلابيب.

 

           إن ورقة الندوة التالية، لتشكل الوعي العام للمثقفين العضويين الذين عبروا عنه  بهذا الاجماع،  لقادة  النوادي الثقافية لطيف فاعل من الوطنيين، والقوميين:  الناصريين، والبعثيين،، وهو التيار القومي الذي  يستعيد  دوره، باحزابه الفتية، ونواديه الثقافية،  وحراكه الفاعل ، وهو  بمثابة" الذهب"  الذي بقيت أداته مختبئة في الوعي، و في حالة "الكمون " بين  فئات المجتمع، ويبحث الآن  عن فاعلين سياسيين لاستخراجه من حيز الممكن بالفعل، والعمل السياسي الغيري، ليس لطرح قضايا الوطن، وهموم المواطن، فحسب، بل كذلك  بالمؤمل من النظام السياسي، لحل المشاكل العالقة التي أقر  بها، وعانى منها مشروع الرئيس جامد الشيخ غزواني في برنامجه" تعهداتي"، ولذلك فالدعوة  للحوار السياسي، في جزء منها، هي لمواجهة التحديات، وتجاوز العجز عن امتلاك رؤية للمشروع التنموي الذي وعد به الرئيس منذ انتخابه في العهدة الأولى، ولا زال النظام يترنح في وحل المحاولات المسنودة بالمبادرات الترقيعية، مثل " تآزر" في هدر المال العام، وتوظيفه للأنتخابات الموسمية لصالح الحزب الحاكم..! 

والسؤال الذي  يبحث عن إجابة عملية، بعد أن هدر النظام طاقته سدى في  الإعلام الرسمي، والمدونين المأجورين، وقادة الحكومات، أصحاب الضرائب  على أصحاب الحسابات  المصرفية، ويقال إن الضرائب وصلت إلى الحد من استنشاق " الأكسوجين"، وبيع المقابر للموتى في بلاد معظمها صحراء، وجبال، وشواطئ، وهذا أخرس الدعاية الزائفة، ،

والسؤال،  هو :

هل  النظام السياسي جاد في الحوار الذي يريد،  وأعلن عنه، وانتقى له طالما من المخضرمين، من الفرانكفونيين، كما  أراد الحوار هذا الطيف من الحراك السياسي الواعي للمشاركة في إنجاح الحوار،، وإذا كان الأمر كذلك، كما نتمنى، فإن ورقة الندوة ستكون "  أطروحة"  قابلة للنقاش، وطرح قيايا الوطن، وذلك للبحث عن الاجماع العام.

 أما، إن حصل تجاهل ورقة الندوة، وراها في التحول السياسي، فإن ذلك سيكون  المقياس، أو" السبب الكافي" لعدم الجدية في الحوار المنظور،، وبالتالي ستكور الدعوة للحوار" ، هي النهج المتبع لتأجيل المشاكل، وترحيلها لنظام آخر في إطار الحلقة المفرغة التي يدور في زواياها المعتمة  النظام السياسي طوال عمره المديد،،؟!

وفيما يلي ورقة الندوة:

                             2

ندوة حول الحوار الوطني المرتقب :

التطلعات والمحذورات 

-الإطار التنظيمي للندوة 

تسعى هذه الندوة لإنتاج مخرجات من خلال خلق فرصة واسعة لنقاش بين طيف السياسي وخبراء  القانون والاقتصاد والمجتمع من أجل بلورة رؤية علمية تساعد في نجاح الحوار الوطني .

 

المنهجية، المحاور، وآليات التنفيذ.

 

يمثّل الحوار الوطني المرتقب فرصة تاريخية لبناء الدولة الموريتانية على أسس راسخة من التوافق الوطني، والتعددية، والعدالة. غير أن هذا الحوار، إذا لم يُحسن الإعداد له وإدارته، قد ينزلق نحو مسارات خطيرة تُفضي إلى إضعاف الدولة وتمزيق نسيجها الاجتماعي.

ولكي يحقق هذا الحوار الأهداف المرجوة منه، لا بد من توفر جملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها:

• إرادة سياسية صادقة وجادة،

• جهة إشراف محايدة ونزيهة،

• إشراك نخبة مختارة تتوفر فيها مواصفات علمية ووطنية محددة،

• تحديد دقيق وواضح للأهداف،

• ضبط محكم لمواضيع الحوار،

• اختيار المشاركين وفق معايير موضوعية،

• وضع آلية واضحة وملزمة لمتابعة تنفيذ مخرجات الحوار وتقييمها.

وانطلاقًا من ذلك، نقترح لإنجاح الحوار الوطني ما يلي:

المحور الأول: الأهداف

يُفترض أن يهدف الحوار الوطني المرتقب إلى بلورة توافق وطني شامل يعكس الإرادة المشتركة لمختلف مكونات الشعب الموريتاني، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحكم الرشيد، تقوم على المبادئ التالية:

• ترسيخ دولة القانون والمؤسسات،

• تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين،

• تعزيز التنمية المستدامة وضمان التوزيع العادل للثروات،

• دعم الاندماج الوطني وتعزيز التماسك المجتمعي.

وذلك من خلال إعداد خارطة طريق إصلاحية شاملة تحظى بتوافق وطني واسع، وتشكل مرجعية أساسية لرؤية مستقبلية جامعة، قادرة على مواجهة التحديات الراهنة واستشراف آفاق الدولة الموريتانية الحديثة.

المحور الثانيً: جهة الإشراف على الحوار.

1. الخيار المفضل (وفقًا لأفضل الممارسات الدولية):
تشكيل هيئة وطنية مستقلة، متعددة التخصصات، تتولى الإشراف على الحوار الوطني، على أن تتكون من شخصيات مشهود لها بالكفاءة العالية والنزاهة والاستقلالية، وتنتمي إلى خلفيات علمية ومهنية متنوعة، من بينها:

• خبراء وأكاديميون في مجالات القانون الدستوري، والعلوم السياسية، والاقتصاد، وعلم الاجتماع،

• شخصيات وطنية اعتبارية تحظى بقبول واسع وإجماع وطني، وتتمتع بالمصداقية والقدرة على إدارة التوافقات الكبرى.

ويُعد هذا الخيار الأكثر انسجامًا مع المعايير الدولية المعتمدة في إدارة الحوارات الوطنية الشاملة، لما يوفره من حياد مؤسسي، ويعزز الثقة في مسار الحوار ومخرجاته.

2. الخيار البديل (التركيبة الثلاثية):
في حال تعذر اعتماد الخيار الأول، يمكن اللجوء إلى تشكيل هيئة توجيهية ذات تركيبة ثلاثية، تضم:

• فاعلين سياسيين يمثلون مختلف أطياف المشهد السياسي الوطني، من أغلبية ومعارضة،

• خبراء فنيين وأكاديميين متخصصين في مجالات ذات صلة بمواضيع الحوار.

•شخصيات من المجتمع المدني 

وفي جميع الأحوال، ينبغي توفير ضمانات قانونية ومؤسسية قوية تكفل استقلالية الهيئة المشرفة، وحيادها، وشفافية عملها، سواء في التسيير أو في اتخاذ القرار، بما يضمن مصداقية الحوار الوطني ويعزز الثقة في نتائجه ومخرجاته.

المحور الثالثً: المواضيع التي ينبغي أن يتجنبها الحوار.

حرصًا على إنجاح الحوار الوطني، وتفادي انحرافه عن أهدافه الأساسية، ينبغي تجنب تناول بعض المواضيع، إما لكونها تشكل مكاسب دستورية ووطنية مستقرة، أو لما قد يترتب على إثارتها في الظرف الراهن من مخاطر على السلم الاجتماعي ووحدة الدولة. ومن أبرز هذه المواضيع:

1. موضوع اللغة العربية:

نصت المادة السادسة من الدستور الموريتاني لسنة 1991 على أن اللغات الوطنية هي: العربية، والبولارية، والسونكية، والولفية، كما نصت صراحة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة. وعليه، فإن إعادة طرح هذا الموضوع للنقاش من شأنه تفجير الحوار وإرباك مساره، خاصة في ظل مطالبات غير واقعية أو غير موضوعية بمساواة اللغة العربية بغيرها من اللغات الوطنية في الصفة الرسمية.

فاللغة العربية، إلى جانب كونها لغة الأغلبية، تمثل لغة الحضارة الجامعة لكل الموريتانيين، وهي وعاء ثقافي وتاريخي مشترك، وإحدى اللغات العالمية المعتمدة في منظمة الأمم المتحدة، فضلًا عن تصنيفها ضمن لغات المستقبل. وانسجامًا مع المعطيات التاريخية، والتجارب الدولية المقارنة، والمقتضيات الدستورية، فإن تثبيت اللغة العربية كلغة رسمية وحيدة للدولة يُعد خيارًا دستوريًا مستقرًا لا ينبغي المساس به.

2. تجنب موضوع المحاصصة:

ينبغي استبعاد منطق المحاصصة من الحوار الوطني المرتقب، لما يشكله من تهديد مباشر لوحدة الوطن وتماسكه، ولما يترتب عليه من إضعاف لمؤسسات الدولة وإعاقة لحسن تسييرها. فالمحاصصة تتعارض جوهريًا مع مبدأ دولة المواطنة، وتكرس الانتماءات الضيقة على حساب الانتماء الوطني.

وقد أثبتت التجارب المقارنة، لا سيما في بعض الدول التي اعتمدت هذا النهج، مثل لبنان والعراق، فشل المحاصصة في تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية، بل أسهمت في تكريس الظلم، وعدم تكافؤ الفرص، وتهميش معايير الكفاءة والأهلية المهنية والعلمية.

3. عدم المساس بالمواد الدستورية المحصنة:

تُعد المواد الدستورية المحصنة، التي تضمن مبدأ التداول السلمي على السلطة، من أهم المكاسب الديمقراطية التي حققها الشعب الموريتاني منذ انطلاق المسار الديمقراطي سنة 1991، وهي المواد التي جاءت بها التعديلات الدستورية سنة 2006 خلال المرحلة الانتقالية.

ويمثل الحفاظ على هذه المواد ركيزة أساسية لاستقرار النظام الدستوري، وأي مساس بها يُعد تراجعًا خطيرًا عن جوهر التجربة الديمقراطية، وتقويضًا لأحد أهم مكتسباتها. وعليه، فإن إخراج هذه المواد من دائرة النقاش يُعد شرطًا لازمًا لحماية المسار الديمقراطي وتعزيز الثقة في الدولة ومؤسساتها.

 

 المحور الرابع: المواضيع التي ينبغي معالجتها وفق مرجعية علمية.

توجد في المشهد الوطني الموريتاني جملة من القضايا الخلافية التي ظلت، لعقود، محل جدل واسع داخل النخبة السياسية والفكرية، وأسهمت في صرف الاهتمام عن قضايا التنمية الشاملة والنهوض بأوضاع البلد. وقد عجزت النخب المتعاقبة، كما فشلت السلطات المتتالية، عن التوصل إلى حلول مستدامة ومرضية لهذه القضايا، نتيجة التعاطي معها بمنطق سياسي أو أيديولوجي ضيق.

وانطلاقًا من ذلك، تبرز ضرورة تناول هذه الملفات في إطار الحوار الوطني المرتقب وفق مقاربات علمية رصينة، تُعنى بتحديد المفاهيم بدقة، وتشخيص الإشكالات بموضوعية، ووضع أسس منهجية لمعالجتها، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الخطاب التعبوي. فالمنهجية الصارمة والمعالجة العلمية وحدهما الكفيلتان بإنتاج حلول نهائية لهذه القضايا، بما يسمح بإغلاقها تاريخيًا، ويفتح المجال أمام النخبة الوطنية للتفرغ لقضايا التنمية، واستشراف المستقبل.

ومن أبرز هذه المواضيع:

1. موضوع الوحدة الوطنية:

يقتضي تناول ملف الوحدة الوطنية تحديدًا دقيقًا لمفهومها ومضامينها، في ظل التباين الواضح في فهم هذا المفهوم بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. ويستوجب ذلك الاحتكام إلى العلوم الاجتماعية والسياسية من أجل بلورة تعريف علمي للوحدة الوطنية، يقوم على أسس المواطنة المتساوية، والاندماج الاجتماعي، والاعتراف بالتعدد الثقافي في إطار دولة موحدة.

2. موضوع مخلفات الرق:

لم تتمكن موريتانيا، خلال العقود الماضية، من تجاوز تداعيات ملف الرق، نتيجة تداخله مع مظاهر العجز التنموي، وتسييسه المستمر. وإذا كان الهدف هو تجاوز مخلفات هذه الظاهرة بشكل نهائي، فإن ذلك يقتضي التعامل معها باعتبارها ملفًا حقوقيًا وتنمويًا في آن واحد، من خلال سياسات عمومية تستهدف الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتكافؤ الفرص، ومعالجة الأسباب البنيوية التي أعاقت تجاوزها.

3. موضوع الإرث الإنساني: (الذاكرة الجماعية والمظالم التاريخية):

ينبغي التعاطي مع ملف الإرث الإنساني بوصفه مجموع المظالم التي وقعت في ظل الدولة الوطنية منذ الاستقلال إلى اليوم. غير أن هذا الملف تم، خلال العقدين الأخيرين، اختزاله في فترة زمنية محددة، وفي مكون عرقي واحد، وهو ما يتنافى مع المقاربة الشمولية المطلوبة.

وتقتضي المعالجة السليمة لهذا الملف اعتماد مقاربة شاملة ومنصفة، تستوعب جميع الانتهاكات والمظالم، وتوظف آليات العدالة الانتقالية، كما هو معمول به في العديد من التجارب الدولية، من أجل تحقيق الإنصاف، وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية، ووضع حد نهائي لهذا الملف الذي ظل مطروحًا منذ عقود.

المحور الخامس: المواضيع التي ينبغي أن يركز عليها الحوار.

أولًا: الإصلاحات الدستورية.
من حيث المبدأ ينبغي عدم المساس بالدستور، لأهمية ذلك لاستقرار الدولة واستقرار تشريعاتها، لكن إذا كانت هناك ضرورات لإجراء إصلاحات دستورية، فإنها ينبغي أن تركز، على :

1. مراجعة الدستور بما يضمن فصلًا حقيقيًا ومتوازنًا بين السلطات،

2. إرساء توازن فعلي داخل السلطة التنفيذية،

3. تفعيل الضمانات الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات العامة.

ثانيًا: إصلاح المنظومة الانتخابية.
ويشمل ذلك:

1. مراجعة البنية المؤسسية المشرفة على العملية الانتخابية،

2. تحديث الإطار القانوني المنظم للانتخابات، بما يعزز الشفافية والمصداقية.

ثالثًا: الإصلاحات السياسية.
وينبغي أن تتناول:

1. إصلاح النظام الحزبي،

2. إصلاح قطاع الإعلام وتعزيز استقلاليته ومهنيته،

3. إصلاح مؤسسات المجتمع المدني وتطوير أدوارها الرقابية والتنموية.

رابعًا: القطاعات ذات الأولوية في الإصلاح.

1. إصلاح النظام التعليمي، باعتباره ركيزة التنمية المستدامة،

2. إصلاح قطاع العدالة، لضمان استقلاليته وفعاليته،

3. إصلاح النظام الصحي، وتحسين جودة الخدمات الصحية،

4. إصلاح قطاع الأمن، بما يعزز الأمن الجمهوري وسيادة القانون،

5. اعتماد مبادئ الحكامة الرشيدة في التسيير الإداري، من خلال:

‏o إعادة هيكلة الإدارة العمومية،

‏o عقلنة تسيير الموارد البشرية،

‏o تحديث المنظومة القانونية،

‏o الفصل بين الوظائف السياسية والوظائف الإدارية،

‏o اعتماد الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تسيير الإدارة العمومية.

6. الإصلاح الاقتصادي، عبر تبني نموذج تنموي شامل يضمن الاستغلال الأمثل للثروات الوطنية، ويحقق أهداف التنمية المستدامة.

المحور السادس: منهجية إدارة الحوار.

ينبغي تنظيم الحوار الوطني وفق مقاربة منهجية تقوم على تقسيمه إلى ورشات عمل متخصصة ومستقلة عن بعضها البعض، على أن يُخصص لكل محور من محاور الحوار ورشة خاصة به، تُعنى بدراسة موضوعه بشكل معمق.

ويُدعى للمشاركة في كل ورشة الفاعلون المعنيون مباشرة بالموضوع محل النقاش، إلى جانب خبراء وأكاديميين مختصين في مجاله، بما يضمن إثراء النقاش، ورفع مستوى المداولات، وتحقيق التوازن بين الرؤية السياسية والمعالجة العلمية.

كما يُستحسن اعتماد أدوات تنظيمية واضحة لإدارة الورشات، من قبيل:

• تحديد أهداف دقيقة وجدول زمني لكل ورشة،

• تعيين منسقين مستقلين لإدارة النقاشات وضبط المداخلات،

• اعتماد مذكرات عمل وأوراق مرجعية مسبقة تؤطر النقاش وتوجهه نحو النتائج العملية،

• توثيق المداولات وتحرير خلاصات واضحة قابلة للتنفيذ.

المحور السابع: آلية متابعة تنفيذ مخرجات الحوار.

لضمان الجدية في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وتفادي تكرار تجارب سابقة اتسمت بغياب المتابعة، يُقترح إنشاء مجلس وطني خاص بمتابعة تنفيذ توصيات الحوار، يتمتع بصلاحيات قانونية واضحة، وبإطار زمني محدد.

ويتكون هذا المجلس من:

• ممثلين عن القوى السياسية، من أغلبية ومعارضة،

• ممثلين عن الجهاز التنفيذي،

• خبراء وأكاديميين مستقلين،

• هيئة مستقلة للتقييم والمتابعة، تُعنى بقياس مدى التقدم المحرز في تنفيذ المخرجات.

وتتولى هذه الهيئة إعداد تقارير دورية علنية تُعرض على الرأي العام، تتضمن مؤشرات واضحة لقياس الأداء، وتقييمًا موضوعيًا لمدى الالتزام بتنفيذ التوصيات، بما يعزز مبدأ الشفافية والمساءلة.

ويُستحسن أن تُربط مخرجات الحوار ببرامج حكومية وخطط تشريعية واضحة، لضمان إدماجها فعليًا في السياسات العمومية.

المحور الثامن: إجراءات تعزيز الثقة .

لضمان مشاركة واسعة وفاعلة في الحوار الوطني، وبناء مناخ من الثقة والطمأنينة بين مختلف الأطراف، يُقترح اعتماد حزمة من الإجراءات المصاحبة، من أبرزها:

• توقيع ميثاق شرف ملزم لكافة الأطراف المشاركة، يحدد قواعد السلوك، ومبادئ الاحترام المتبادل، والالتزام بنتائج الحوار وآلياته،

• ضمان إعلام وطني مهني ومحايد وشفاف يواكب مجريات الحوار، ويوفر المعلومات للرأي العام بدقة وتوازن، ويتيح فضاءات للنقاش المسؤول.

• إشراك الجامعات ومراكز البحث في الحوار، من خلال دراسات تقييمية مستقلة تسهم في رفع جودة المخرجات.

بهذه الإضافات، يكتمل التصور العام للحوار الوطني بوصفه مسارًا تشاركيًا، ومنهجيًا، وملزمًا، لا يقتصر على النقاش، بل يؤسس لإصلاحات عملية ومستدامة.

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122