"يامس" فى الشعر الحساني../ محمد الأمين ولد سيدى مولود

2017-02-28|19:46

يــــــــــــامس !

عبارة "يامس" تختزل الكثير الكثير في لغن الحساني، إنها تشير إلى الماضي البعيد السحيق، وإلى الذكريات القريبة، وإلى كل ما يتم الحنين إليه، ولا تقتصر على الظرف الزماني القريب المحدود "أمس" حتى وإن أشارت إليه بعض


الأحيان ..

"يامــس" في لغن الحساني تحمل شحنة قاتلة من الأسى، ومن التشبث بجزء من الإنسان قضى أو مضى، وهنا يذكر أن كل حبيب غادر أو انقطع أو هجر أو تغير هو جزء من الانسان مضى، وكل ذكريات حلوة غبرت، أو لحظات سعيدة مضت، هي جزء من هذا "اليامس" الذي يشار إليه في لغن الحساني في أكثر من معنى، أي جزء من الانسان نفسه...

الاديب الكبير باب ولد هدار اختزل الزمن في ثلاث: "يامس" وهو الماضي بكل أبعاده وذكرياته، واليوم وهو الحاضر بكل معاناته وطموحاته، والصبح وهو المستقبل بكل أحلامه وآفاقه، فقال:

امشَ يامس ما عظمـناه / اعـــــل الله الحـــــــمد لله
واليوم اورَ يامس شفناه / والدهر اللً ذ كيـــــــف تام

واليوم الصبح ألً فكفـــاه / سبحانك يالحي الكـــسام

ذوك الصبح اشفيه أشراه/ وجنابو ذوك اشفيهـم لام؟

ؤحد اليوم ؤهـــذا محتوم / في الدهر إلى رد التخمام

الدهر ألا يامس واليــــــوم / والصبح الدهر أثلـــت ايام

عملاق الأدب الحساني سيدي محمد ولد الكصري كان أكثر انصهارا مع "اليامس" الذكرياتية، التي تحمل شحنة الحنين واليأس والتشبث والاستسلام .. وهي متناقضات قدرية تعيش في كل صاحب وجدان تلعب به صروف الليالي:

 

يامسْ دَارْ إِبلْغَانْ احْيَاتْ / ذاكْ الِّ شَكَّيْتْ انُّ مَاتْ

اگْبَلْ منْ تلْيَاعِ وامْحَاتْ / منْ لخْلاگْ الِّ خَاطِيــــهَ

اتْلَفَّتْ اعْلِيهَ مـــــــرَّاتْ / كِيفْ الِّ نَاسِ شِ فِيــــهَ

واعْگَبْتْ امْنَيْنْ ابْعِيدْ ابْگَاتْ / وابْگَيْتْ اتْلَفَّتْ اعْلِيهَ

تلْفِيــــــــتَ مــنِّ مَا خَلاَّتْ / فَظْلَ لاهِ نَكْــــرَهْ بِيهَ

وللَّ نبْــــــغِ ذَ الِّ مَـــوْجُودْ / اتْلَ ف الدّنْيَ رَاعِيــهَ

مَاهْ اتْلَ خَالگْ لَيْـــنْ انْعُودْ / نَكْرَههَّا وللَّ نبْغِيـــــهَ

لمغنّ الأديب أحمدو بمبه ولد أحمد الأمين نقل صورة من الصور "اليامسية" نقلا في غاية الأدب والكياسة، وهو نقل على بساطته اللفظية يحمل رمزية طريفة، وبلاغة قوية:

يَامِـسْ تِـدْلِـيـتْ اكْـتَـابْ / اعْـــزِيــزَه ذِيـكْ اعْـذَابْ

اتْـرَكَّـبْ خُـــرْبْ افْـبَــــابْ / خَـيْـمـِتْــهُـمْ، تِــــرْكَابُ

هي حَــالِـتْ تِــــرْكَــــــابْ / لَـخْــــرَاب اعْــلَ بَـــابُ

أما الأديب السياسي الشيخ محمد الامين ولد محيميد فقد فقد روى قصة أهل بلحبار في "يامسيته" الشهيرة في لبتيت الناقص، في تحسر على وصل قطعه ترحال الأحبة، ودوران الزمن:

يامس عند الكركار / جاو علينا خطـار

كالو عن بلحبـار / اهلو عـادو بكيـل

وعلم بيهـا بكـار / واجحدها بيه الويل

ولا حسيت بلخبـار / الين العـاد الليـل

امـان يالمعبـود / لوكنت اعلمت اكبيل

عنهم بكيل انعـود / كيلت اليـوم اكيـل

مشكلة أهل الأدب والوجدان والعواطف مع "يامس" ليس في ما حمله بين ثناياه من حلو الذكريات، أو ما مضى فيه وانقضى من الأحبة، بل في هيمنته على بعديْ ولد هدار الآخريْن، أي اليوم والصبح، حيث يشغل البعد الأول في الحنين إلى "يامس" والبعد الثاني في ثنائية الفأل بعودة سعادة مفقودة، واليأس من عودة ما مضى ...

إن "يامس" لأمر عجاب!



تابعونا على